حق أختى التؤام
أختي التوأم جت تزورني في مستشفى الأمراض النفسية، كانت حاطة مكياج فوق كدمة على وشها، ومرسوم على شفايفها ضحكة باهتة ومكسورة لدرجة تحس إنها بتوجعها. على ما وقت الزيارة خلص، كانت هي اللي محبوسة ورا الأبواب المتقفلة دي.. وأنا اللي خارجة وماشية بتبختر بدبلتها، وهدومها، والخوف اللي كان ساكن عينيها. جوزها كان بيمد إيده عليها بقاله سنين، وكان فاكر إن الست المكسورة اللي راجعة البيت ليلتها هتنزل عينيها في الأرض وتعتذر وتستحمل العلقة. ماكنش يعرف إن الست اللي داخلة من باب البيت دي مش ليلى خالص.. دي توأمها. وأنا قضيت عشر سنين بتعلم إزاي أبقى هادية تماماً وفي قمة الثبات، في الوقت اللي جوايا فيه بركان عنف مستني لحظة الانفجار.
الشمس ملمسها غريب على الوش، مش عشان حرارتها، بس عشان هي صادقة. بقالي عشر سنين الضوء اللي بيوصلي بيبقى من ورا إزاز متغطي بسلك وشبابيك مستشفى، ضوء محسوب ومتفلتر وعاملينه عشان الناس اللي بيحبوا يسموا السيطرة حنية. ودلوقتي الشمس بتخبط في عيني وأنا ماشية بعيد عن مستشفى السلام بقميص أختي، وجزمتها، وحياتها كلها، ولأول مرة من عقد كامل، الدنيا مابتسألنيش أنا المفروض أكون فين، هي مستنية بس تشوف أنا هعمل إيه.
عربية ليلى ريحتها بودرة
وأنا سايقة لبيت إبراهيم، بدأت أعرف أختي من جواها، مش من ذكريات الطفولة، لأ، عرفتها من الحاجات اللي سايباها في العربية كأن حتة منها كانت بتحاول تهرب لمكان أمان. فيه وصل صيدلية من يومين لدوا سخونية أطفال وكمادات ثلج، فيه منديل مكتوب عليه رقم تليفون وجنبه جملة كلميني لو احتجتي مساعدة بخط ست مهتم. وفيه رسمة متطبقة من سلمى، عندها تلات سنين، شمس في الزاوية، بيت معوج، وأم مرسومة بخطوط وشعر طويل، وطفلة بضحكة أكبر من جسمها، وبعيد شوية فيه خيال أسود طويل دراعاته عاملة زي البرق.
على ما وصلت لمشارف الحي اللي بيسكنوا فيه، كنت قريت كل رسايل الموبايل بتاعها. رسايل إبراهيم مابتتسمّاش رسايل، دي كلابشات أنتِ فين؟ ماردتيش ليه؟ ماتخلينيش أكرر كلامي.. أمي بتقول الشوربة كانت باردة.
البيت شكله عادي جداً لدرجة تستفزك. بيت صغير دورين على الناصية في أطراف القاهرة، من النوع اللي ستايره دايماً مقفولة عشان الأسرار بتحب الضوء الخافت. فيه عربية مركونة، ولعب بلاستيك في النجيل جنب شواية مصدية. مفيش أي حاجة توحي إن ده ميدان معركة، وده بالظبط اللي بتحب المعارك تلبسه لما يكون فيه أطفال عايشين جواها.
بطلت العربية وقعدت ساكنة لثواني. فيه حتة جوايا فاكرة الكراسي وهي بتتكسر، والدم، والطريقة اللي البلد كلها قررت بيها إن عنفي أنا هو اللي قلة أدب مش العنف اللي اتسبب فيه أصلاً. الحتة دي عايزة تدخل البيت بقوة وتاخد إبراهيم من رقبته وتعلمه في دقيقة واحدة العشر سنين حبس عملوا إيه في جسم متعود على السكوت. بس سلمى جوه، وحياة ليلى جوه. النجاة مش دايماً هي نفسها التشفى، ولو فشلت في أول عشر دقايق، أختي هترجع للبيت ده تاني. عشان كده رسمت على وشي ملامح أصغر، وأحزن، ومليانة اعتذار. لبست شخصية ليلى كأنها
إبراهيم كان في المطبخ لما دخلت. في الأول مايبانش عليه إنه وحش، وده خلاني أكرهه أكتر. شكله بالظبط زي نوعية الرجالة اللي بيعرفوا يهربوا بفعلتهم. في التلاتينات، كتاف عريضة مهدولة من الكسل، لسه لابس جزمته، إيد ماسكة كباية وعين على ماتش شغال وصوته عالي في التليفزيون. أمه قاعدة على التربيزة بتقشر تفاح وما بصتليش خالص، وأخته نهى قاعدة بتقلب في موبايلها كأن القسوة دي مزيكا في الخلفية ودنها اتعودت عليها.
فجأة إبراهيم لفت. عينيه نزلت على وشي، ثبتت على الكدمة اللي هو عملها في أختي، وضيّق عينيه بضيق مش بندم. كنتِ فين كل ده؟ سألني. مفيش سلام، مفيش حمد لله على السلامة، ولا حتى خوف إن مراته غابت نص يوم. مجرد ضيق إن حاجة من ممتلكاته اتحركت من غير إذن.
نزلت عيني في الأرض زي ما ليلى عودت نفسها تعمل. اتأخرت في المستشفى قلتها بصوت واطي. صوتي طلع قريب جداً من صوتها لدرجة تخوف. التوائم بيقضوا عمرهم كله بيتعلموا رنة نَفَس بعض.
أمه شبهت بلسانها قبل ما هو يرد طبعاً، ماهي اللي هناك دي منحوسة، أنا قلتلك إن زيارتها غلط. أخيراً رفعت راسها، وبان قدامي المجتمع الصغير اللي هي عايشة فيه. مش مجرد راجل عنيف، دي عيلة كاملة اتعلمت تعمل مكان للعنف زي ما الناس بتعمل