كنت أطعم كلبًا متشردًا قطعة لحم كل مساء تقريبًا

لمحة نيوز

كنت أطعم كلبًا متشردًا قطعة لحم كل مساء تقريبًا… ولم أكن أعلم أن ذلك المعروف الصغير سيعود إليّ بعد عامين، في الليلة التي خسرت فيها كل شيء.

​ضحك بعض الناس كلما رأوه واقفًا أمام محلي.

​وهز آخرون رؤوسهم وكأنني أرتكب خطأً كبيرًا.

​أما أنا فلم أكن أرى في الأمر ما يستحق كل ذلك.

​كنت أؤمن أن المعروف لا يضيع عند الله.

​وأن الخير الذي يخرج من يدك اليوم قد يعود إليك يومًا من طريق لا تتخيله أبدًا.

​قد يعود على يد إنسان.

​وقد يعود على يد غريب لم تلتقِ به من قبل.

​وقد يعود بطريقة تعجز عن تفسيرها مهما حاولت.

​وكنت أؤمن أيضًا أن الإنسان لا ينبغي أن يحسب الخير الذي يفعله كما يحسب التاجر أرباحه وخسائره.

​فبعض الأرزاق لا تعود مالًا.

​وبعض الأيادي التي تمتد بالعطاء لا تعرف متى يأتيها الجزاء.

​لهذا لم أهتم يومًا بكلام الناس.

​منذ عامين تقريبًا ظهر ذلك الكلب المتشرد لأول مرة أمام محل الجزارة الذي أملكه.

​كان نحيلًا إلى درجة مؤلمة. تظهر أضلاعه.

​وينظر إلى قطع اللحم المعلقة بعينين يملؤهما الجوع والخوف في الوقت نفسه.

​في البداية ظننته سيمضي كغيره من الحيوانات التي تمر في الشارع.

​لكنه عاد في اليوم التالي.

​ثم عاد في اليوم الذي بعده.

​مر أسبوع.

​ثم شهر.

​ثم عام كامل.

​ثم عام آخر.

​وأصبح حضوره جزءًا من تفاصيل حياتي اليومية.

​كان يقف كل مساء في الموعد نفسه تقريبًا.

​هادئًا.

​لا ينبح.

​ولا يقترب من الزبائن.

​ولا يحاول سرقة شيء.

​فأقطع له قطعة صغيرة

من اللحم وأضعها أمامه.

​فيأخذها ويبتعد.

​ثم يعود في اليوم التالي وكأن بيننا موعدًا لا يراه أحد سوانا.

​ومع مرور الشهور اعتاد أهل الحي رؤيته أمام محلي.

​لكنهم لم يعتادوا ما أفعله.

​كان بعضهم يهز رأسه ساخرًا.

​ويقول إنني أطعم كلبًا بلحم يمكنني بيعه.

​وكان آخرون يرون أنني أبدد رزقي فيما لا فائدة منه.

​أما زوجتي فكانت تبتسم أحيانًا وتقول مازحة:

​"أظن أن هذا الكلب أوفى زبائنك."

​فأضحك وأكمل عملي.

​ولم أكن أعلم حينها...

​أن الأيام القادمة كانت تخبئ لي ما سيهز حياتي كلها.

​ولا أن ذلك الكلب الذي اعتاد الناس رؤيته أمام محلي كل يوم...

​كان يلاحظ شيئًا لم أنتبه إليه أنا.

​شيئًا بدأ في الخفاء بينما كنت أظن أن حياتي تسير كما اعتدت دائمًا.

​أما أنا...

​فلم أدرك أن الكارثة قد وقعت بالفعل إلا في الليلة التي عدت فيها إلى منزلي لأكتشف أن…

​كل شيء اختفى.

​في البداية ظننت أنني دخلت المنزل الخطأ.

​وقفت أمام الباب عدة ثوانٍ أحدق فيما أراه غير مصدّق.

​ثم دخلت ببطء.

​خطوة.

​ثم أخرى.

​وقلبي يزداد اضطرابًا مع كل ثانية تمر.

​كانت الخزانة مفتوحة.

​والدرج الذي كنت أخفي فيه مدخراتي مكسورًا.

​والصندوق الخشبي الذي قضيت سنوات أجمع فيه ثمن حلمي لم يعد موجودًا في مكانه.

​تجمدت في مكاني.

​وشعرت وكأن شيئًا ثقيلًا هبط فوق صدري دفعة واحدة.

​اقتربت من الخزانة.

​ثم فتحتها بالكامل.

​ثم فتحت الأدراج واحدًا تلو الآخر.

​ثم عدت أفتش الأماكن نفسها مرة ثانية.

​ثم

ثالثة.

​وكأنني أرفض تصديق ما تراه عيناي.

​لكن الحقيقة كانت أوضح من أن تُنكر.

​المال اختفى.

​كل ما ادخرته خلال سنوات طويلة من العمل المتواصل اختفى.

​كل قطعة نقدية كنت أضعها جانبًا بدلًا من إنفاقها.

​كل يوم عملت فيه ساعات إضافية.

​كل مرة حرمت نفسي فيها من شيء كنت أحتاجه.

​كل ذلك تبخر في ليلة واحدة.

​جلست على الأرض.

​ولم أشعر بشيء.

​لم أصرخ.

​ولم أبكِ.

​ولم أتحرك.

​كنت أحدق أمامي فقط.

​وكأنني عاجز عن تصديق الحقيقة.

​لكن الحقيقة كانت أمامي.

​واضحة.

​وقاسية.

​ومؤلمة.

​الرجل الذي كنت أعتبره صديقًا…

​هو من سرقني.

​الرجل الذي واساني…

​هو من تسبب في ألمي.

​الرجل الذي صافحني كل صباح…

​كان يخفي خلف ابتسامته وجهًا آخر لم أعرفه يومًا.

​لم ألمس المال.

​ولم أنقله.

​بل أعدت إغلاق الصندوق.

​ثم اتصلت بالشرطة.

​وجاءت الدوريات بعد وقت قصير.

​وعندما بدأوا التحقيق لم يستغرق الأمر طويلًا.

​فالأدلة كانت واضحة.

​والمال دُفن داخل أرضه.

​وبعد ساعات قليلة انهار الرجل واعترف بكل شيء.

​اعترف بأنه كان يعرف منذ سنوات أنني أجمع المال.

​واعترف بأنه راقبني طويلًا.

​واعترف بأنه دخل المنزل في الليلة التي غبنا فيها لساعات.

​وسرق الصندوق.

​ثم أخفاه في حديقته إلى أن يجد طريقة لنقله.

​لكن ما لم يكن يعرفه…

​أن هناك شاهدًا واحدًا رآه.

​شاهدًا لم يستطع أن يتكلم.

​ولم يستطع أن يذهب إلى الشرطة.

​لكنه لم ينسَ ما رآه.

​كان ذلك الكلب.

​فقد اعتاد الوقوف

أمام المنزل.

​واعتاد التجول في الحي.

​ورأى الرجل وهو يدفن الصندوق.

​ثم ظل يحاول طوال الأيام التالية أن يقودني إلى المكان.

​بطريقته الخاصة.

​الطريقة الوحيدة التي يعرفها.

​وبعد انتهاء القضية بأيام عاد المال إليّ كاملًا.

​وعندما حملت الصندوق بين يدي للمرة الثانية…

​لم أشعر بالفرح كما توقعت.

​بل شعرت بشيء مختلف.

​شعرت أن الله لم يرد إليّ مالي فقط.

​بل رد إليّ يقيني أيضًا.

​يقيني بأن الخير لا يضيع.

​وبأن المعروف الذي يخرج من القلب لا يختفي مهما مرت عليه السنوات.

​في ذلك المساء عدت إلى المنزل.

​وكان الكلب مستلقيًا أمام الباب.

​اقتربت منه.

​وجلست بجواره.

​ثم وضعت يدي فوق رأسه.

​وظللت صامتًا لعدة لحظات.

​لم يكن يعرف قيمة المال الذي أعاده إليّ.

​ولم يكن يفهم معنى السرقة أو الخيانة أو الأحلام التي كادت تضيع.

​لكنه فهم شيئًا واحدًا فقط.

​أنه رأى صاحبه حزينًا.

​فحاول أن يساعده.

​بالطريقة التي استطاعها.

​ومنذ ذلك اليوم لم يعد أهل الحي يسخرون من وقوفه أمام المحل.

​بل صار الجميع يعرف قصته.

​وأصبح كل من يمر به يربت على رأسه أو يقدم له الطعام.

​أما أنا فكلما رأيته أتذكر درسًا لن أنساه ما حييت.

​فليس كل من يبتسم لك صديقًا.

​وليس كل من يعجز عن الكلام عاجزًا عن الوفاء.

​وقد يقف إلى جوارك في وقت الشدة مَن لا تملك معه لغة مشتركة.

​بينما يخذلك من كنت تظنه أقرب الناس إليك.

​وأدركت أخيرًا أن الخير يشبه البذور.

​قد تدفنها في الأرض ثم تنساها.

​وقد تمر عليها الأيام والسنوات دون أن ترى منها شيئًا.

​لكنها في الوقت الذي يختاره الله…

​تنبت.

​وتعود إليك بصورة أجمل مما تخيلت.

​فاصنع المعروف ما استطعت.

​ولا تنتظر شكرًا من أحد.

​لأن بعض الأيادي لا تستطيع أن تصافحك.

​وبعض الألسنة لا تستطيع أن تشكرك.

​لكن الله لا يضيع أجر الخير أبدًا.

تم نسخ الرابط