رائحة العفن تكشف السر المدفون

لمحة نيوز

منها شهرين، ورجعت بس لما البوليس خلص شغله فيها. اشتريت مرتبة جديدة، سرير جديد، وملايات جديدة. دهنت الأوضة لون تاني عشان اللون القديم كان بيفكرني بالكدبة. رميت كل المعطرات والزيوت اللي كنت بستخدمها عشان أداري على الريحة.
بس الريحة لسه بتطاردني في أحلامي.
النهاية الحقيقية جت بعد ست شهور.
المحققة كلمتني وقالت لي لقيناها.
لثانية مفهمتش قصدها على مين.. وبعدين القلم وقع من إيدي.
لقوا بقايا ليلى في أرض فاضية على طريق إسكندرية الصحراوي. الوقت والشمس عملوا عمايلهم، بس كان فيه أدلة كفاية. أدلة ربطت المكان بمحمود، وحولت الشكوك لاتهام مباشر بالقتل.
محمود دخل المحاكمة ببدلة شيك كأنها هتنقذه، بس وشه كان خاسس وعجز 20 سنة. أنا روحت وشهدت. مش عن ليلى، أنا عمري ما شفتها.. أنا شهدت عن الريحة. عن هوس التنظيف. عن نرفزته لما كنت بلمس السرير.
عن لحظة ما فتحت المرتبة ولقيت قسيمة الجواز.
لما وكيل النيابة سألني ليه قررتي تفتحي المرتبة في اليوم ده بالذات؟
بصيت للمحلفين وقلت عشان فيه جزء جوايا كان عارف إن الريحة دي مش ريحة حاجة باظت.. دي كانت ريحة حاجة مستخبية.
الحكم جه بعد يومين إعدام.
مش عشان العدالة شيك، ولا عشان المحاكم بتشفي الغليل.. لا، عشان الحقيقة لما بتبقى عنيدة، بتعيش أكتر من الكدب.
بعدها الناس كانت بتسألني حاسة بإيه؟
كنت بقول مرتاحة.. بس الحقيقة كانت أعقد. فيه راحة، وفيه قرف، وفيه حزن على نفسي اللي وثقت بزيادة، وعلى سنين عمري اللي اتسرقت، وعلى الست اللي قبلي اللي ملقحتش تمشي بمزاجها.
كتبت جواب لأخت ليلى. قلت لها إني آسفة.. إني مكنتش أعرف.. وإن الحاجات اللي كانت مستخبية في المرتبة هي اللي رجعت حق أختها.
ردت عليا بجملة واحدة أنا مش لوماكي.. هو كان شاطر
قوي في إنه يبان طبيعي.. وده اللي كان مخليه خطر. شكرًا إنك رفضتي تفضلي مخدوعة.
بعد سنة، بعت الشقة. مش عشان مقدرش أعيش فيها، بس عشان فيه أماكن الحيطان فيها بتحفظ خوفك بزيادة. وأشجع حاجة ممكن تعمليها هي إنك تمشي وتسيبي العفاريت وراكي.
نقلت لشقة تانية شبابيكها واسعة ومنورة. اشتريت سرير معدن، وفتشت تحته مرتين بس أول أسبوع بدل عشر مرات كل ليلة. روحت لدكتور نفسي ساعدني أفهم إن الإحساس ده هو وسيلة جسمنا عشان يحمينا قبل ما عقلنا يفهم بالمنطق.
ساعات بفتكر أول ليلة الريحة ظهرت فيها. كان ممكن أسهل حاجة إني أكمل تنظيف.. وأكمل اعتذار.. وأفضل الست الحساسة اللي بتولع شمع كتير ومعندهاش دليل. كان ممكن أقضي سنين جنب سر وأقول على خوفي دراما عشان الشخص اللي بيعمل فيا كده عايزني أشك في نفسي.
ده كان الرعب الحقيقي بالنسبة لي.. مش بس إن محمود
كدب.. لا، إنه اعتمد على أصلي وطيبيتي عشان يكمل كدبته. اعتمد على إني هخاف على مشاعره، وهتكسف أبان شكاكة، وهحاول أهدي اللعب عشان البيت ميتخربش. بنى أمانه فوق شكي في نفسي.. وكان متوقع إن الخطة تنجح.
وفعلًا كانت هتنجح.
بس النهاردة، لما حد بيسألني ليه مبقتيش بتطنش حدسك؟، مبيحكيش القصة كلها. بقول لهم بس
كنت فاكرة إن عدم الراحة ده حاجة لازم نتأقلم معاها.. دلوقتي بقيت عارفة إنها معلومة لازم نسمعها.
الريحة مكنتش هي المشكلة.. الريحة كانت هي الرسالة. كانت الحقيقة اللي بتعفن جوه الجواز وبترفض إنها تسيبني أنام في سلام.
وفي الآخر، ده اللي أنقذني. جسمي عرف الحقيقة قبل ما عقلي يجهز لها.
فتحت المرتبة.. وأيوة، اللي لقيته جواها دمر حياتي اللي كنت عارفاها. بس برضه أنهى حياة تانية كانت هتبقى أوحش بكتير لو كنت سكت وفضلت أشم في الريحة لحد
ما تبقى طبيعية.
تمت.

تم نسخ الرابط