رائحة العفن تكشف السر المدفون

لمحة نيوز

موجهة لاسمين محمود وليلى. فواتير.. ملاحظات بخط الإيد.. عقد إيجار.. أوراق طبية.. كروت معايدة.. ونسخة من قسيمة جواز.
حسيت بضربات قلبي في سناني وأنا بفتح القسيمة على السجادة.
محمود علي.. وليلى مراد. اتجوزوا في القاهرة قبل 11 سنة من اليوم اللي أنا قاعدة فيه ده.
11 سنة؟
أنا اتجوزت محمود من تمن سنين بس.
حسبتها مرة.. وتانية.. والحقيقة نزلت عليا زي مية تلج قطمت ضهري.
لما اتجوزته، كان لسه متجوز ست تانية.
نفسي انقطع لثانية. مش منفصلين، ولا مطلقين وعندهم مشاكل.. لا، كان متجوز رسمي وقانوني وبالورق.
جسمي سقع وسخن في نفس الوقت. قعدت أنبش في بقية الحاجات بانهيار، لأن الحقيقة لما بتظهر، العقل بيبقى جعان يعرف أكتر. مكنش فيه ورقة طلاق، ولا شهادة وفاة، ولا أي تفسير. بس كان فيه أدلة تانية على حياة كاملة مكنتش أعرف إنها موجودة؛ كروت عيد جواز مكتوب عليها بحبك دايمًا يا ليلى، صورة سونار صغيرة محطوطة جوه كتاب، وورقة مستشفى مكتوب فيها اسم ليلى كشخص للطوارئ لمحمود.
وفي قعر الكيس، لقيت الموبايل.
قديم، فاصل شحن، وملفوف في كيس بلاستيك.
مسكته بإيداي الاتنين، وكنت شايفة صورتي في الشاشة السوداء. الريحة كانت لزقت في الموبايل نفسه، والرطوبة كانت مأثرة عليه.. بس كان سليم.
قمت بسرعة لدرجة إني كنت هقع. فكرت لثانية إني أتصل بمحمود، أواجهه، أزعق في الموبايل لحد ما الكدبة تنهار.. بس عملت أعقل حاجة عملتها من سنين.
كلمت البوليس.
الظابط اللي جه كان شاب صغير، بس عينه بقت حادة أول ما دخل أوضة النوم. حط إيده على مناخيره، وبعدين نزل على ركبه جنب المرتبة المفتوحة والحاجات اللي مفرودة على الأرض.
قال لي متلمسيش أي حاجة تانية.
أنا لمست فعلًا.
ماشي.. بس وقفي دلوقتي.

جه ظابط تاني، وبعدين محقق، وبعدين اتنين فنيين من المعمل الجنائي لابسين جوانتيات وبدأوا يصوروا كل حاجة. وأنا قاعدة على طرف كرسي السفرة، متغطية ببطانية رغم إن البيت كان دافي. كنت بجاوب على نفس الأسئلة الريحة بقالها قد إيه؟ جوزك سافر إمتى؟ سمعتي اسم ليلى مراد قبل كده؟ تعرفي لو كان متجوز قبل كده؟
لا.. لا.. لا.. كانت دي إجابتي كل مرة.
المحققة، ست عندها حوالي خمسين سنة، خدت قسيمة الجواز من كيس الأدلة وسألتني أنتي اتجوزتي محمود علي في 2018؟
أيوة.
وعلى حد علمك، هو مكنش متجوز وقتها؟
أيوة.
هزت راسها.. مش تشكيك في كلامي، بس كأنها بترتب الحقائق في مكانها.
خدوا الموبايل.. الجوابات.. الشنطة.. الهدوم.. وحتى المرتبة كلها خدوها. لما جروها في الطرقة وطلعوا بيها من باب الشقة، الفراغ اللي سابته على الأرض كان شكله يقرف، كأنه جرح كنت بنام فوقه كل يوم.
أول ليلة بعد اللي حصل ده، مبيتش في البيت. لميت شنطة وروحت فندق قريب من المطار، وفضلت قاعدة بهدومي فوق السرير لحد الفجر. أي صوت في الطرقة كان بيخليني أتشنج. كل ما التكييف يشتغل، كنت بشم ريحة كمكمة وعفن وهمية. كنت عمالة أتخيل وش محمود وهو بيقول لي متلمسيش السرير.
الموضوع مكنش له علاقة بالمرتبة.. كان له علاقة باللي المرتبة عارفاه.
تاني يوم العصر، المحققة كلمتني.
قالت لي لقينا محضر باسم ليلى مراد.. متلقِ عنها بلاغ اختفاء من تسع سنين.
قبضت على الموبايل لحد ما صوابعي ابيضت تسع سنين؟
أيوة.. اختفت في ظروف غامضة، وأختها هي اللي بلغت. عربيتها اتقطعت أخبارها، ومحمود وقتها قال للبوليس إنهم كانوا منفصلين.
غمضت عيني.. منفصلين.
مش مختفية، ولا ميتة، ولا لسه مراته.. منفصلين. كلمة نضيفة عشان يبعد الشبهات عنه،
وكلمة مرنة عشان يستخدمها بعدين مع ست زيي.
همست هو كدب.
قالت لي إحنا بنحقق في ده.
قضيت الساعة اللي بعدها على أرض الحمام، مكنتش بعيط، بس كنت بترعش. الجواز حاجة حميمية قوي؛ فرش سنان جنب بعض، طلبات أكل مشتركة.. إنك تكتشفي إن الشخص اللي جنبك مش بس خانك، ده بنى جوازكم كله فوق جثة ست تانية اتمسحت من الوجود، ده إحساس كأنك اكتشفتي إن أساس بيتك مبني من عضم.
محمود اتصل بيا بليل.
سبت الموبايل يرن.. مرة.. تانية.. تالتة.. وبعدين رديت.
قال لي بصوت عادي، كأنه مفيش حاجة ألو.. إزيك يا حبيبتي؟ عاملة إيه؟
لثانية، كنت مذهولة من قدرته على التمثيل قول أنت.
سكت.. وبعدين قال قصدك إيه؟
كنت واقفة قدام شباك الفندق وبصيت للطيارات وهي بتهبط من بعيد قصدي إن البوليس جه وخد المرتبة.
سكت تاني، المرة دي سكتة طويلة قوي ومرعبة.
قال لي بحذر هنا.. أنتي عملتي إيه؟
أنتي عملتي إيه؟
مش لقيتي إيه؟ ولا أنتي كويسة؟.. لا، أنتي عملتي إيه؟
حسيت بحاجة جوايا جمدت أنا لقيت ليلى.
مسمعتش غير صوت نَفَسه.. وبعدين قال أنا ممكن أشرح لك.
الجملة دي هي النشيد الوطني لكل الرجالة المذنبين.
قلت له بصوت واطي لا.. مش هتقدر.. أنت كدبت عليا تمن سنين.
الموضوع معقد..
ضحكت ضحكة ميتة هي ماتت يا محمود؟
نَفَسه اتغير أنتي مش فاهمة.
ماتت؟
وطى صوته وقال هنا.. اسمعيني كويس.. متتكلميش مع البوليس لحد ما أرجع.
وهنا بان الوش الحقيقي. مش ندم، ولا رعب.. دي سيطرة.
قلت له لا.. متجيش ناحيتي تاني.
قفلت السكة وعملت له بلوك.
رجع القاهرة برضه.
المحققة كلمتني تاني يوم الصبح وقالت لي قبضنا عليه أول ما وصل.. هو دلوقتي في القسم.
قعدت على السرير في صمت بتهمة إيه؟
تزوير، وتعدد زوجات، وإخفاء معلومات.. وقضية الاختفاء
اتفتحت تاني.
في الأيام اللي بعدها، القصة كبرت.
ليلى مراد مكنتش بس مراته الأولى؛ دي كانت الست اللي عايش معاها قبل ما تختفي. جوازهم كان بيتدمر، وكان فيه مشاكل مادية، وكان فيه خناقة كبيرة بينهم في مطعم قبل ما تختفي ب 3 أسابيع.
المحققين فتشوا مخزن كان محمود مأجره. لقوا فيه حاجات تانية لليلى. حاجات تثبت إنه مكنش مجرد محتفظ بذكريات، لا، ده كان محافظ على فصل كامل من حياته مخبيه في السر. هدوم، صور، دهب، وصندوق حديد فيه أوراق تأمين، والأهم مسودة طلاق مكنش مضى عليها ولا قدمها أبدًا.
هو عمره ما طلقها. هو ببساطة كمل حياته واتجوزني وهي لسه مختفية رسميًا.
ريحة المرتبة، المعمل الجنائي قال بعدين إنها كانت بسبب رطوبة وتفاعل كيميائي مع الحاجات اللي كانت متخزنة جوه الكيس البلاستيك. مكنتش جثة، بس كانت حاجة مرضية أكتر؛ إنه ينام فوق حياة الست اللي كانت قبلي، ويحافظ عليها تحت جسمه بكام سنتي، ويمنع أي حد يقرب منها بغل.
مش عشان بيحبها.. عشان كان محتاج يفضل مخبيها وقريب منها في نفس الوقت.
المحققة قالت لي ممكن يكون شعور بالذنب، أو هوس، أو إنه بيعتبرها جائزة.. إحنا لسه بنجمع الصورة.
الصورة بقت أوحش وأوحش. محمود جاب محامي ومبقاش بيتكلم كتير. المحامي حاول يصور الموضوع على إنه أزمة نفسية وإنه خبى الجواز الأولاني عشان خايف يخسر مستقبله. أنكر إنه آذى ليلى، وأنكر إنه يعرف هي فين.
بس الحقائق كانت كفاية إنها تدمر حياتي. جوازي بقى باطل. قانونيًا ملوش وجود. نصب من البداية.
الناس عرفت بالتدريج؛ أختي اللي جت من السفر وفضلت تشتم فيه، الجيران، زمايلي في الشغل. كله كان بيقول ده كان هادي قوي.. ده كان طيب قوي. نفس الجمل اللي بتتقال قبل ما العالم يسأل هي الست دي
ليه مشفتش الوحش اللي معاها؟
مبقتش برد على حد. غيرت كوالين الشقة، عزلت
تم نسخ الرابط