رائحة العفن تكشف السر المدفون
بقى لنا تلات شهور، والريحة دي ملاحقة جوازنا لحد السرير.
عمرها ما كانت بتظهر بنفس الشكل مرتين؛ ساعات تبقى ريحة كتمة ورطوبة، زي ما تكون ريحة قبو نسي شكل الشمس. وساعات تانية تبقى ريحة نفاذة أكتر، حاجة مسكرة ومعفنة مستخبية ورا ريحة الداوني ومعطر اللافندر، كأن العفن نفسه اتعلم إزاي يستخبى وسط الملايات. وأول ما كنت أطفي اللمبة وأتسحب تحت اللحاف جنب محمود، كانت دايمًا بتبقى هناك.. مستنية.
في الأول، لمت الحاجات البديهية.
حرارة القاهرة ممكن تخلي أي حاجة تحمض وتصنن. عرق، غسيل مركون، أو يمكن كلب الجيران اللي ساعات بيمرغ جسمه في حاجات مفيش كائن حي يحب يشمها. شيلت السرير كله، غسلت كل الملايات اللي عندي، نقعت أكياس المخدات في خل، غيرت نوع المسحوق مرتين، وولعت شمع معطر لدرجة إن الأوضة بقت ريحتها زي سبا ريحته متلخبطة. وبعد كل تنظيفة، الأوضة كانت بتبان طبيعية لكام ساعة.
بس أول ما ييجي الليل، ومحمود يمدد على ناحيته من السرير، كانت الريحة بترجع تاني زي لعنة حافظة مواعيدي بالظبط.
حاولت في البداية أكون هادية معاه.
سألته في ليلة وأنا سانده على كوعي وبراقبه وهو بيقلب في موبايله أنت مش شامم حاجة؟
بص لي بطرف عينه وقال شامم إيه؟
الريحة الغريبة دي.. مش عارفة.. ريحة كمكمة، كأن فيه حاجة باظت.
محمود اتنهد تنهيدة الناس التعبانة اللي بتبقى عايزة تحسسك إن قلقك ده مجرد دراما وخلاص يا هنا.. أنتي بيتهيألك.
رجعت نمت مكاني، وأنا مكسوفة من نفسي إن كلمته دي أثرت فيا بسرعة. بيتهيألك.. كأن حواسي مابقتش موثوق فيها، كأن الحاجة اللي بتقلب بطني كل ليلة دي موجودة بس عشان خيالي بقى واسع زيادة في الضلمة.
بس جسمي عمره ما صدقه.
جسمي كان بيكش كل ما أتقلب ناحية السرير من جهته. جسمي كان عارف إن الريحة بتبقى أوحش تحت مخدته وفوق ركن المرتبة اللي رجليه بتسند عليه. جسمي لاحظ إن محمود أول ما يقعد على السرير، الريحة بتقل، وبتنتشر في اللحاف زي الحبر لما بيقع في المية.
عشان كده كملت تنظيف.
غسلت الكوفرتة لدرجة إن الخياطة بدأت تنسل. شفطت المرتبة بالمكنسة. وفي يوم سبت، جريتها لحد البلكونة وسبتها تحت شمس أغسطس الحارقة، والجيران بيبصوا عليا من ورا السور بفضول مؤدب. دعكت خشب السرير بكلور مخفف، ونزلت على ركبي بالكشاف تحت ملل السرير، دورت على عفن، حشرات، تسريب مية، أي حاجة طبيعية تفسر العيشة اللي أنا عايشاها دي.
مفيش.
تحت السرير كان فلة. الخشب ناشف. الحيطان سليمة.
الريحة كان مفروض تختفي.. بس بدل ما تختفي، كانت بتغرز أكتر في ليالينا، وكأن تعبي ده كان بيستفزها.
رد فعل محمود هو كمان اتغير.
في الأول كان بيطنش، بعدين بدأ يبان عليه الضيق كل ما أجيب سيرة الموضوع. مش ضيق حد مستغرب أو قلقان.. لا، ده نرفزة. وفي يوم تلات بعد العشا، وأنا بشيل الملايات عشان الريحة كانت فاحت تاني، وقف على باب الأوضة وهو بيفك الكرافتة وضغط على سنانه.
بتعملي كده ليه دلوقتي؟
عشان الأوضة كلها بقت ريحتها صعبة.
ده مجرد غسيل.. سيبيه.
بصيت له وأنا ماسكة الملاية، واتخضيت من نبرة صوته الحادة أنا بس بنظف.
قرب خطوة وقال وأنا بقولك بطلي تعملي حكاية من مفيش.
دي كانت مفروض تكون أول لحظة خوف حقيقي. مش عشان صوته كان عالي، محمود مكنش بيزعق، بس عشان الغلط اللي كان باين عليه. إحنا متجوزين من تمن سنين؛ هو من نوع الرجالة اللي بيعدل على الويتر بصوت واطي، وعمره ما شخط في
اعتذرت له، وده اللي كسفني من نفسي بعدين.
ده كان جزء من الفخ؛ لما الحاجات الغريبة بتدخل حياتك الزوجية، مابتسميهاش غريبة في وقتها. بتحاول تصغرها وتخليها حاجات منطقية.. ضغط شغل، تعب، سوء تفاهم.. أي حاجة إلا إنها تكون خطر.
محمود كان بيسافر كتير بحكم شغله، وده كان من ضمن منغصات الحياة اللي بنتعايش معاها. هو مدير مبيعات في شركة توزيع إلكترونيات، طول الوقت مسافر المنصورة، أسيوط، إسكندرية، وساعات شرم الشيخ. في سنين جوازنا الأولى كنت بفتقده وهو غايب، بعدين بقيت بفتقد النسخة القديمة منه اللي كانت بترجع لي.
السنة الأخيرة، فيه حاجة جواه اتشدت.
موجود في البيت بس غايب، بيعمل حركات الاهتمام بس من غير روح. لسه بيبوس راسي وهو ماشي، ولسه بيبعت رسالة لما يوصل، ولسه فاكر نوع القهوة اللي بحبه. بس بقى بيراقب كل حاجة بشكل يهد الحيل؛ بقى حريص على شنطته بزيادة، ومخبي موبايلي، وبيتهرب من أي سؤال. بقى واحد من الرجالة اللي بيأدوا دور الزوج وهم خلو البيت من جواهم.
الريحة بدأت بعد تلات شهور من البعد الجديد ده.
في الأول سألت نفسي لو كانت من شنطة سفرة، أو من جزمته، أو من حاجة في الدولاب. بس مهما دورت، الريحة كانت دايمًا متمركزة في مكان واحد ناحيته هو من السرير. ريحة غريقة، واطية، ومغروسة جوه.
في ليلة، حوالي الساعة اتنين الصبح، صحيت وقلبي بيدق بجنون.
الأوضة كانت ضلمة إلا من خيط نور الشارع اللي داخل من ورا الستارة. محمود كان بيشخر جنبي، وإيده مرمية على صدره. الريحة كانت
قمت من السرير ووقفت في الضلمة، وضغطت بإيدي على بوقي.
ريحة بلاستيك مكمكم، عفن، وحاجة تانية تحتها.. حاجة معدنية ولازعة. حاجة استخبت كتير قوي.
محمود اتقلب وقال بتعملي إيه؟
مش عارفة أتنفس هنا.
لف ناحيتي، وشه كان متغطي بالضلمة وملامحه مش باينة يا هنا.. ارجعي نامي.
السرير ده فيه حاجة غلط.
لا مفيش.
الثقة اللي في صوته كانت مرعبة أكتر من إنكاره نفسه. لأن صوته مكنش بيقول توقع، صوته كان بيقول أمر.
قضيت بقية الليلة دي على الكنبة، متغطية ببطانية وباصة للمروحة وهي بتلف، وبحاول مأنطقش الفكرة اللي بدأت تتكون في دماغي هو عارف؟
كرهت نفسي عشان فكرت كده. الجواز بيعلمك تدافع عن الشخص اللي جنبك حتى ضد أفكارك الوحشة عنه. حتى لما الأدلة تبدأ تزيد، والغريزة تبدأ تصرخ جواك، فيه جزء منك بيفضل يدور على تفسيرات ألطف؛ يمكن تعب، اكتئاب، كسوف.. يمكن حاجة طبية، يمكن دلق حاجة جوه خشب السرير، يمكن خبى هدوم الجيم ونسيها.. يمكن خيالي اللي اتهان كتير قرر أخيرًا يثبت إنه موجود.
لحد ما جت الليلة اللي زعق فيها.
كنت بغير الملايات تاني بعد العشا، وقررت أقلب المرتبة. حاجة عادية بيعملها المتجوزين في الويك إند. رفعت طرف منها ويدوب حركتها كام سنتي، ومحمود دخل من باب الشقة.
متلمسيهاش!
الكلمة رنت في الأوضة بقوة خلتني أسيب المرتبة تقع من إيدي. لفيت وأنا حاطة إيدي على قلبي في إيه؟
كان واقف على الباب وشنطة اللاب توب لسه على كتفه. وشه كان مخطوف.. مش غضب، ده كان لون الخوف. وبعدين الخوف اختفى، والغضب حل مكانه عشان يغطيه.
قلت لك متلمسيهاش.
بصيت
عارف إنها مرتبة.
أمال بتتعامل