رائحة العفن تكشف السر المدفون
المحتويات
كأني بفتح خزنة ليه؟
مناخيره اتنفضت وقال عشان كل ما تبدأي هوس التنظيف ده، البيت كله بيتقلب. سيبي السرير في حاله.
الأوضة هديت بعدها، هدوء مكنش راحة، كان زي السكوت اللي بيحصل قبل العاصفة. نزلت إيدي ببطء وسألته أنت مالك متضايق كده ليه؟
بص لي لثواني، وعينه كانت مقفولة تمامًا تعبان.. بس خلاص.
بعدها دخل خد دش، وأكل الأكل اللي سخنته له، وقعد يتفرج على التلفزيون كأن مفيش حاجة حصلت. كنت قاعدة جنبه مسمعتش غير كلمة متلمسيهاش.
بعد اللحظة دي، الخوف مابقاش حاجة خيالية. الخوف سكن في جسمي، بقى باين في الطريقة اللي بتأكد بيها من قفل الباب، وفي ملاحظتي إنه بقى دايمًا بيخلي شنطة سفره قريبة منه، وفي ريحة الكمكمة اللي بتطلع من دولابه لو قربت قوي. بقى الخوف بيقعد في بطني كل ما ينام جنبي والريحة تبدأ تطلع تاني من المرتبة زي نَفَس طالع من قبر.
قلت لنفسي مسبقش الأحداث.. بس بدأت أسجل ملاحظات. تواريخ، قوة الريحة، المرات اللي اتعصب فيها، السفريات اللي طلعها، الليالي اللي الريحة كانت فيها في قمتها.. وهل كانت بتبقى أسوأ لما يرجع من السفر ولا لا. مسميتهاش أدلة، سميتها مراقبة نمط عشان يبان إني لسه عاقلة.
وفعلًا، كان فيه نمط؛ الريحة كانت دايمًا بتبقى أوحش بعد ما يرجع من سفر الشغل. محمود كان دايمًا بيفرغ شنطته لوحده. وبدأ يغسل هدومه بنفسه، وده اللي كنت فاكراه في الأول ذوق منه، ودلوقتي بقى شك.
وكل ما كنت أقرب من الركن اليمين اللي تحت في ناحيته من المرتبة، كان بيلاحظ فورًا.
قبل سفرية المنصورة بتلات أيام، لقيته في الجراج بيمسح عجل شنطة السفر بمناديل مبللة. وقفت على الباب ومعايا سبت الفوط وراقبته لثانية زيادة عن اللزوم.
بص لي وقال في إيه؟
بتمسح عجل الشنطة ليه؟
رمى المنديل بسرعة وقال أرضية المطارات والمحطات قذرة.
رد منطقي.. بس برضه ده نوع الرد اللي بيستخدمه حد اتعلم إن الحقيقة التقنية هي أحسن وسيلة للتمويه.
لما قال لي إنه مسافر المنصورة تلات أيام، حسيت بقلبي بيقفز. باس راسي عند الباب وهو بيجر شنطته وراه.
اقفلي الباب وراكي.. وحاولي تنامي شوية.
حاولي تنامي شوية.. كأن المشكلة لسه عندي أنا.
وقفت في الطرقة بعد ما مشي، بسمع صوت عجل الشنطة وهو بيبعد على السلم. وبعدين باب البيت اتقفل. البيت هدي.. والسكون زاد.
وهنا جالي الإحساس ده. مش دليل، ولا منطق.. مجرد يقين بارد زي غريزة الحيوان إن اللحظة وصلت.
دخلت أوضة النوم ببطء وبصيت للسرير. في نور النهار كان شكله عادي جدًا؛ لحاف لونه هادي، خشب بني، مخدات ديكور كنت شارياها في لحظة أمل كنت بحاول فيها أجدد الأوضة بدل ما أعترف إن الأوضة بقت معادية. بس دلوقتي ومحمود مش موجود، المرتبة كأن بقى لها كيان.. وجود.. حاجة كانت مستنياني أبطل تمثيل.
إيدي كانت بتترعش وأنا بشيل اللحاف. شلت المخدات.. شديت الملايات.. والريحة كانت هناك، تحت كفر المرتبة، أخف من الليل بس واضحة وصريحة. أوحش عند الركن.. وأوحش عند الخياطة.
جريت المرتبة لنص الأوضة. كانت أتقل بكتير مما مفروض تكون عليه. التفصيلة دي خلت قلبي يدق بشكل مرعب. مش عشان المرتبة مستحيل تكون تقيلة، لا، بس دي كانت تقيلة ب عدم توازن؛ كأن فيه وزن في ناحية واحدة بس، كأن فيه حاجة جواها شفتت مركز الثقل بتاعها.
روحت المطبخ وجبت كتر من درج الكراكيب.
رجعت الأوضة، وقفت قدام المرتبة والكتر في إيدي، وقلت لنفسي إني تافهة. إني هبوظ مرتبة غالية عشان
خدت نَفَس واحد.. وبعدين قطعت.
القماش قاوم في الأول، وبعدين اتفتح بصوت تمزيق طويل كان عالي قوي في هدوء البيت. وفورًا، هجمت عليا موجة ريحة كانت عنيفة لدرجة إني اتطوحت لورا. كانت أبعد من وحشة، أبعد من كمكمة.. كان عفن مركز، محبوس جوه سفنج وقماش ووقت.
كتمت بوقي وقعدت أكح لحد ما عيني غيمت يا نهار أسود..
إيدي كانت بتترعش لدرجة إن الكتر كان هيقع مني. بس غصبت نفسي أكمل. قطعية تانية.. وتالتة.. وسعت الفتحة. السفنج من جوه كان لونه مغير عند جيب في الركن، كأنه اتبل قبل كده ونشف غلط. فتحته بإيديا الاتنين وأنا بتنفس من خلال كمي.
وساعتها شفت البلاستيك.
كيس بلاستيك أسود كبير، ملفوف بضغط ومحشور في تجويف معمول يدوي جوه السفنج.
ركبي سابت في ثانية لدرجة إني قعدت على الأرض. فضلت متنحة تلات ثواني كاملة.
كل التفسيرات التافهة ماتت في اللحظة دي. مفيش هدوم جيم منسية، مفيش بقعة عفن، مفيش علبة أكل. فيه حد خبى حاجة جوه المرتبة.. مش تحتها، ولا جنبها، جواها.
ومحمود كان عارف.
مديت إيدي بصوابع منملة ناحية الكيس. كان عليه مية ورطوبة، ومنقط بقع سودة. كان متلزق ببلاستر، وتقيل.. ولما حركته، فيه حاجة جوه خبطت في بعضها بتقل.
أول فكرة جت في بالي كانت فلوس. تاني فكرة كانت مخدرات. تالت فكرة، جت غصب عني وفورًا، كانت أجزاء من جثة.
على ما بدأت أفك أول حتة من اللزق، كنت بعيط من غير ما أحس.
الكيس اتفتح بصوت لزج ومقرف.. زي صوت حاجة مبلولة بتتشد من بعضها.
كان فيه هدوم. هدوم ستاتي.
رجعت لورا من الخضة لدرجة إني كنت هخبط في الكومودينو.
بلوزة حرير، كان لونها سكري وبقت مصفره ومتحجرة في أماكن معينة. جاكيت صوف بزارير لولي. بنطلون غامق. وجزمة فلات. وتحتهم، ملفوف في طبقة تانية من البلاستيك، شنطة إيد جلد عليها بقع رطوبة من الجوانب. وتحت الشنطة، كان فيه رزمة ورق مربوطة بشريطة زرقاء باهتة.
الرعب شكله اتغير في اللحظة دي.. مبقاش أقل، بس بقى إنساني أكتر.
مديت إيدي للشنطة الأول، لأنها كانت أقرب حاجة، ولأن عقلي كان بيحاول يهرب لأي تفسير يقدر يعيش بيه. قلت يمكن دي شنطة قديمة؟ يمكن حاجات ورث؟ يمكن مخبي ذكريات لسبب عاطفي غريب؟ يمكن الموضوع مقرف وبشع بس مكنش جريمة.
صوابعي كانت بتترعش وأنا بفتح سوستة الشنطة.
جوه كان فيه محفظة.
وجوه المحفظة كانت البطاقة.
الصورة كانت لست في أواخر التلاتينات، ملامحها هادية، وشعرها أسود ملموم لورا. اسمها كان ليلى مراد.
عمري ما سمعت الاسم ده قبل كده.. بس بطني وجعتني فورًا.
كان فيه حاجات تانية في الشنطة؛ قلم روج، وصل سوبر ماركت قديم قوي لدرجة إن الحبر طار من عليه، وميدالية مفاتيح. وفي جيب الفكة، لقيت صورة مطوية.
صورة لمحمود.
فضلت باصة لها لحد ما عيني زغللت. كانت صورة قديمة له، أصغر ب 10 سنين مثلًا، واقف جنب الست اللي في البطاقة. إيده كانت على وسطها، وراسها سانده على كتفه. الاتنين كانوا بيضحكوا تحت شمس قوية لدرجة إنها كانت باهتة في أطراف الصورة.
وعلى ضهر الصورة، بخط إيد نضيف، مكتوب خمس كلمات
شرم الشيخ.. أول رحلة لينا.
الأوضة كأنها لفت بيا.
قعدت على الأرض والشنطة في حجري وفهمت حاجتين في نفس الوقت الأولى إن الريحة دي مكنتش صدفة أبدًا. والثانية إني مكنتش عارفة جوزي خالص.
غصبت نفسي أفتح رزمة الورق.
كانت جوابات.
متابعة القراءة