​ثمانية وجوه.. وقلب واحد

لمحة نيوز

ماركت كأنها دليل محبة، ليزا معاها ملف أوراق، وبول قعد على الكرسي وهو بيمثل إن ضهره واجعه.
أمي كانت قاعدة بالجاكيت الأزرق جنب الشباك، وعكازها جنبها. دانيال حمحم وقال إحنا كلنا اتكلمنا، وشايفين إن الوقت جه عشان نناقش حل دايم.. حاجة أأمن وأنسب.
حسيت بنار في عيني، بس قبل ما أرد، أمي ردت أنسب لمين؟
محدش نطق. دانيال ابتسم الابتسامة اللي بيعملوها عشان يهدوا حد كبير في السن يا أمي، إحنا بس خايفين على نورا إنها شايلة كتير.
قالت له مكنتوش خايفين في مارس.
الأوضة سكتت. أمي اتغيرت في الشهور دي، صوتها بقى فيه نبرة حاسمة، نبرة الشخص اللي شاف الحقيقة وما عادش حد يقدر يضحك عليه.
قالت أنا فاكرة الأوضة دي كويس، فاكرة كل وش فيها، وكل عذر، وفاكرة مين اللي مسك إيدي. كارين بصت في الأرض، وليزا بدأت تقول بس يا ماما ده مش عدل..
أمي قطعت كلامها عدل؟ العدل كان إن حد فيكم يقف قبل ما تضطر البنت الصغيرة اللي مرتبها أقل واحد وشقتها أصغر واحدة إنها تعمل ده بدالكم كلكم.
محدش قاطعها بعد كده. بصت لكل واحد فيهم وقالت بلهجة مفيهاش دراما بس كانت قاسية أنا هنقل دار ميبل كورت الشهر الجاي. رينيه ساعدتني في التقديم. ده سكن لكبار السن فيه ممرضات وعلاج طبيعي،
وقريب من نورا على بعد شارعين.. قريبة منها بس مش معتمدة عليها.
دانيال اتفاجئ إنتي رتبتي كل ده؟
قالت له أيوه، لإن الحاجة الوحيدة اللي الجلطة دي عملتها لي هي إنها وضحت لي وعود مين اللي أقدر أبني عليها حياتي.
ليزا بصت في ملفها أنا جبت أوراق توكيل رسمي عشان نقسم المسؤوليات..
أمي قالت خلصت خلاص.. نورا هي الوكيل الصحي ليَّ، وهي جهة الاتصال في الطوارئ. هي مطلبتش ده، أنا اللي اخترت.
مايك بان عليه إنه اتضايق بجد يا ماما، كده بتبيني كأننا اتخلينا عنك.
أمي بصت في عينه وقالت له بكلمتين إنتو عملتوا كده فعلاً.. هي لأ.
الحقيقة نزلت عليهم زي الصاعقة. توم بص لعلبة الفطيرة في إيده كأنه نسي هو جايبها ليه، وكارين بدأت تعيط بس من غير تمثيل. ولأول مرة من شهور، صدقت إن فيه جزء من مشاعرهم حقيقي.
أمي سندت ضهرها بتعب بس بثبات وقالت إنتو لسه ولادي، ومش همسح أساميكم من ذاكرتي، بس مش هقضي اللي فاضل من عمري وأنا بمثل إن النية هي نفسها المجهود. اللي عايز يزور يزور، واللي عايز يساعد يساعد، أما لو عايزين تحسوا بالراحة تجاه نفسكم، فدي مشكلتكم إنتو حلوها.
النقل ل ميبل كورت حصل في صباح يوم مشمس في سبتمبر. شقتها الجديدة كانت صغيرة بس مليانة نور، وفيها
بلكونة فيها زرع. مدام ألفاريز جابت ستاير، وأنا جبت طرابيزة مطبخ مستعملة. أمي وقفت في نص المكان وعيطت لأول مرة من أسابيع، وقالت وهي بتضحك ريحة الحيطان نظيفة.. تخيلي؟ عندي حيطان ريحتها نظيفة.
مبقتش محتاجاني كل ساعة، وده كان أحلى هدية. لسه بروح لها كل يوم بعد الشغل بطلباتها؛ موز، شاي، والملبس اللي بتقول إنها بتجيبه للضيوف وهي اللي بتاكله.
في الشتا ده، حاجة غريبة حصلت؛ واحد ورا التاني من أخواتي بدأوا يزوروها من غير مواعيد. مش ببطولة، ومش كفاية عشان يمسحوا اللي فات، بس كارين بقت تيجي يوم تلات بشوربة عاملاها بنفسها، واعتذرت من غير مبررات. وبول بقى يوديها العلاج الطبيعي مرتين في الشهر. حتى دانيال بطل يلقي خطب وبقى يسأل أسئلة عادية إيدك عاملة إيه؟ محتاجة حجارة؟ الحب ماتحولش لمعجزة، بس بقى فيه خجل بيحاول يتصلح.
في عيد ميلادها ال ٧٩، اتجمعنا كلنا في القاعة الاجتماعية بالدار. مكنش فيه تمانية حواليها طول الوقت، وعمر ما ده هيحصل، بس كان فيه كفاية.. كفاية حقيقة، وكفاية مجهود.
في لحظة، والكل مشغول بالقهوة والتورتة، أمي لمست إيدي وشاورت على الشباك. الزرع في البلكونة كان لسه لونه أحمر زاهي رغم البرد. قالت لي بصوت واطي كنت بقول زمان
إني مش خايفة أكبر لاني ربيت ولاد أصول. ابتسمت وقلت لها فاكرة.
ضغطت على إيدي وقالت دي مكنتش الحقيقة كاملة.. الحقيقة إني كبرت، وفيه بنت واحدة حبتني بشجاعة كفاية لدرجة إنها عملت لي مكان في حياتها رغم كل حاجة.. وده طلع أحسن بكتير.
نزلت عيني للأرض عشان لو بصيت لها هعيط قدام الكل. دلوقتي، بعد سنتين، لسه بروح لها كل يوم. شفتي في السوبر ماركت بتخلص الساعة ٤، وبمشي الشارعين لحد عندها.
أغلب الأيام بلاقيها قاعدة في البلكونة ولابسة بلوفر، وبتروي الزرع كأنها تملك الشارع كله. مابقتش محتاجة أشيلها، ولا محتاجة مساعدة في الحمام، ولا رعاية طول اليوم. اللي محتاجاه دلوقتي أبسط وأصعب في نفس الوقت الونس.. إن حد يجي عشان المجيء نفسه بيفرق.
ساعات بلاقي حد من أخواتي هناك وساعات لأ. بطلت أقيس العيلة بمين بيتكلم أكتر، بقيت أقيسها بمين بيخبط ويدخل. الأوضة هديت في يوم من الأيام، ولسه فاكرة صوت السكوت ده، بس السكوت مخدش الكلمة الأخيرة.. الحب هو اللي خدها.
لما بدخل عليها دلوقتي وأسمعها بتنادي افتحي بالمفتاح يا بنتي، القفل بيعلق، بحس بسلام مكنش عندي زمان. أنا عمري ما كنت البنت المفضلة.. أنا كنت البنت اللي فضلت.
وفي الآخر، ده اللي طلع يفرق أكتر
من أي حاجة ثانية.
تمت

تم نسخ الرابط