​ثمانية وجوه.. وقلب واحد

لمحة نيوز

لما الدكتور قال إن أمي مش هينفع تروح البيت لوحدها، ولادها التمانية كلهم اتسمروا مكانهم. الأوضة في مستشفى سانت أغنيس للتأهيل كانت ريحتها مطهر وقهوة بايتة. برا الشباك مطر شهر مارس كان مغرق الإزاز، وجوا كانت أمي قاعدة على سرير المستشفى، شعرها الفضي متسرح لورا، ووشها لسه باهت من الجلطة اللي جاتلها في المطبخ من ست أيام.
الدكتور قال إنها جلطة صغيرة، من النوع اللي الناس بتسميه لحسن الحظ، بس الوقعة اللي حصلت معاها ورّمت فخذها، وضعفت جنبها الشمال، وخلتها مش قادرة تقف أو تستحمى أو حتى تروح الحمام لوحدها من غير مساعدة. هي ممكن تخف، والعلاج الطبيعي ليه خطة، والأدوية ليها مواعيد، بس الفترة الجاية دي.. مينفعش تفضل لوحدها.
الدكتور بص في التقرير اللي في إيده وقال مامتكم محتاجة رقابة ٢٤ ساعة، على الأقل لحد ما نعرف هترجع قوتها قد إيه. لو محدش فيكم هيقدر يوفر ده، يبقى لازم تتناقشوا في نقلها لدار رعاية متخصصة.
محدش رد.
لا دانيال، الكبير، اللي دايما بيتصدر الكلام في العزاوي والأعياد كأنه المتحدث الرسمي باسم العيلة.
ولا كارين، اللي كانت لابسة بالطو غالي وجزمة شيك وبصت في ساعتها تلات مرات في أقل من دقيقة.
ولا مايك، ولا توم، ولا بريندا، ولا بول، ولا ليزا.
سبع

أشخاص كبار، سبعة شالتهم أمي كلهم على حجرها في يوم من الأيام.
وبدأت المبررات تنزل علينا واحد ورا التاني، مترتبة زي فواتير الحساب.
دانيال قال إن قسط البيت مش ملاحق على حاجة.
كارين قالت إنها مسافرة أريزونا الجمعة الجاية والرحلة محجوزة من شهور.
مايك قال إن مديره بيدور على أي سب ب عشان يمشي موظفين.
توم قال مراته مش هتوافق أبداً.
بريندا قالت بيتها ضيق قوي.
بول مسك أسفل ضهره وقال إنه جسمانياً مش هيقدر يشيل حد.
ليزا قالت إنها ممكن تساعد في الأوراق وتأمين المستشفى، بس متقدرش على الشغل العملي.
أمي فضلت مبتسمة وهما بيتكلموا. وده كان أوحش جزء في الموضوع. كانت لابسة الابتسامة الفخورة الصبورة اللي ستات جيلها بيتعلموها في وقت ما بين الولادة والترمل. الابتسامة اللي بتقول متشيلوش همي، الابتسامة اللي بتمثل إن الخذلان مدخلش الأوضة.
فضلت الابتسامة دي ثابتة لثواني بعد ما آخر مبرر اتقال.. وبعدين شفتها بتتغير. النور من وشها منطراش مرة واحدة، راح على مراحل. الأول الأمل، وبعدين الثقة، وفي الآخر الاستيعاب الهش إن ولادها اللي قضت عمرها تحميهم، باصين دلوقتي في البلاط عشان ميهربوش من عينها.
أمي، إيفلين كارتر، ربت تمن ولاد لوحدها تقريباً بعد ما أبويا سابنا وأنا عندي
أربع سنين. كانت بتشتغل ورديتين في مطعم، تزود الشوربة مية لما الفلوس تقل، وتخيط زراير بالطوهات المدرسة في نص الليل. فضلت لابسة نفس البالطو البني ١١ سنة عشان مفيش حد فينا يلبس جزمة مقطوعة. كانت دايما تضحك وتقول أنا مش خايفة أكبر، أنا ربيت ولاد أصول.
أنا كنت أصغر واحدة فيهم. الزيادة زي ما بيقولوا في نكت العيلة. الطفلة اللي جات فجأة. اللي كانت بتلبس هدوم أخواتها القديمة اللي دابت من لبس اتنين قبليها. اللي الناس بتنسى تاخدها في صور العيلة إلا لو حد افتكر في آخر لحظة وقال وسعوا مكان لنورا. بقول ده ببساطة، مش بمرارة، ده كان نظام عيلتنا؛ الكبير ليه المسؤولية، واللي في النص ليهم الهيصة، وأنا ليَّ اللي يفيض.
بس لما شفت أمي بتحاول متعيطش قدام سبع مبررات متلمعة، حاجة جوايا انقسمت نصين. مشيت لسريرها، مسكت إيدها وقلت يا أمي، إنتي هتيجي تعيشي معايا.
السكوت اللي حصل بعد كده كان ليه طعم تاني. كارين لفت لي بسرعة لدرجة إن غوايشها خبطت في بعض نورا، إنتي ساكنة في شقة أوضة وصالة!
قلت لها عارفة.
مايك ضحك من تحت ضرسو ده إنتي بتشتغلي وردية ليل في سوبر ماركت.
قلت له عارفة ده كمان.
دانيال بص لي أخيراً وقال مش هتقدري تعملي ده لوحدك.
بصيت لهم كلهم. استغربت إزاي
الناس بيبقوا خبراء في المعاناة أول ما المعاناة تقرب منهم. قلت لهم أنا مقلتش إنه هيبقى سهل، أنا بقول إنها مش هتكون لوحدها.
أمي بدأت تعيط وقتها. مش بصوت عالي ولا بدراما. دموع هادية وصغيرة بتاعة الناس الكبار اللي بيحاولوا ميبقوش تقال على حد. مسكت معصم إيدي وقالت لا يا بنتي.. مش عايزة أبوظ لك حياتك.
الجملة دي كانت هتقتلني. لإنها حتى وهي في الحالة دي، وبعد كل اللي ضحت بيه، لسه بتعتذر لإنها محتاجة حاجة واحدة بس. وطيت راسي لحد ما لمست راسها وقلت لها إنتي مبوظتيش حياتي.. إنتي اللي اديتيني حياة.
بعد الظهر، مضيت ورق الخروج، وسمعت الممرضة وهي بتشرح الأدوية مرتين، وخدت أمي لبيتي المتواضع فوق مغسلة في جنوب دايتون. الأوضة وصالة دي كانت تبان كبيرة بس عشان مكنش عندي عفش كتير. زقيت الكنبة على الحيطة، واستلفت كرسي مريح من جارتي مدام ألفاريز، وعملت لنفسي مكان نوم على مرتبة سفنج في الأرض.
أول تلات ليالي، منمتش أكتر من ٤٠ دقيقة ورا بعض. أمي كانت محتاجة مساعدة عشان تقف، وتتقلب، وتفتكر الحبوب، وتروح الحمام وترجع منه، وتغسل، وتاكل لما إيدها تترعش. كانت بتكره كل ثانية في ده. الخجل كان واجعها أكتر من التعب. كل ما أشيلها أو أسندها كانت تهمس بكلمة أنا آسفة. ومع
نهاية أول أسبوع، بقيت أكره
تم نسخ الرابط