لقمة الكسرة
عكس كلامه الرسمي قبل كده. عرض عليها ترجع شغلها مع صرف كل مرتباتها المتأخرة، ورجوع كل امتيازاتها، ومعاهم جواب اعتذار رسمي بيريء ساحتها من أي تهمة. سحر كانت بتسمع وهي ماسكة التليفون بإيديها الاتنين عند حوض المطبخ، وبعدين عملت حاجة فاجأت بيها نفسها؛ قالت إنها موافقة ترجع، بس بشروطها. الجواب لازم يوضح إنها ممدتش إيدها على مليم، والمدرسة لازم تعمل تدريب للموظفين على النظام الجديد، وطلبت إنها تشرف على بنك طعام مصغر للعائلات جوه المدرسة.
المدير وافق على كل شروطها. ولما سحر رجعت المدرسة بعد تلات أسابيع، ممرضات المطبخ حضنوها بقوة لدرجة إنها ضحكت وهي بتعيط. حد كان لزق قلوب ورق جوه الدولاب بتاعها. ميادة المدرسة نزلت فصلها كله في طابور منظم قبل الغدا عشان يلوحوا لها بإيديهم. سحر لبست الكارنيه والمريلة، وحست لأول مرة من يوم الرفد إن الأرض بقت صلبة تحت رجليها تاني.
ياسين جه في أول يوم ليها، وشايل صينيته بإيديه الاتنين. مكنش فيه كيس ورق بني خلاص. كان فيه مكرونة وبسلة وبرتقال ولبن. حسابه بقى صفر
سحر وطت عليه وسألته عايز ياكل إيه، وهمس لها ببراءة أولى ابتدائي إن كل حاجة شكلها حلو النهاردة. وعلى مدار الشهور اللي بعدها، التغيير فضل مستمر بشكل عملي. أوضة المخزن اتملت تبرعات؛ مكرونة، عسل، زيت، صابون، وحتى حفاضات للأطفال. الأهالي بقوا بياخدوا اللي محتاجينه في صمت كل يوم جمعة. هناء لقت مساعدة من أخصائية المدرسة ونقلت هي وولادها من اللوكاندة لشقة صغيرة، وجوزها عمار بدأ يرجع شغله بالتدريج. الدنيا مابقتش وردي فجأة، والمصاريف لسه صعبة، بس مابقوش لوحدهم في الحكاية.
سحر اكتشفت إن الرفد ده خلاها تلاقي صوت مكنتش تعرف إنه عندها. الأهالي بقوا بيوقفوها في السوق عشان يشكروها، وطلابها القدام كتبوا لها كلام يفرح القلب على النت. الجمعية المحلية كرمتها
أحلى لحظة كانت في آخر السنة. المدرسة عملت حفلة صغيرة لنجاح صندوق الوجبات. كان فيه بسكويت في المكتبة ولوحات شكر من العيال. سحر كانت بتهزر وتقول يا رب الإدارة ماتقولش إن العيال عملت عجز في العهدة عشان زودوا الكريمة على البسكويت. الكل ضحك، والضحكة المرة دي كانت صافية، مكنش فيها خوف ولا كسفة.
ياسين شد كم مريلتها واداها نسخة من رسمته القديمة بس متغلفة لامينشن. هناء قالت لها إن مدرسة ساعدتها تغلفها عشان الورق ميتنسلش. وفي ظهر الورقة، وبخط أحسن من الأول شوية، ياسين زود جملة الأبطال هما اللي بيأكلوا الناس. سحر عيطت في وسط المكتبة، والمدرسات عملوا نفسهم مش باصين، وهارون كان واقف عند الباب بيبتسم وكأنه بيقول للعالم كله دي مراتي اللي شرفتني.
في سبتمبر اللي بعده، وفي عيد ميلاد ياسين السابع، الكانتين قدم بيتزا تاني. سحر حطت له شريحة، ومعاها اللبن والتفاحة، وقالت له
بعد ما خلصت ورديتها والمطبخ هدي، سحر وقفت لحظة قدام مكنة الكاشير اللي الحكاية بدأت عندها. الحسابات لسه مهمة، والميزانية لسه مهمة، والقوانين موجودة، بس العيال اللي واقفين في الطابور مابقوش مجرد أرقام غلط في الدفاتر. روحت بيتها تعبانة، وشايلة هموم عادية زي فواتير النور ولبس الشتا وميعاد دكتور هارون. الحياة مابقتش سهلة، بس بقت حقانية.. وده أحسن بكتير.
الرسمة دلوقتي متعلقة في برواز بسيط جنب باب المطبخ عندها. كل يوم قبل ما تنزل الشغل، سحر بتبص للست المبتسمة اللي ماسكة شريحة البيتزا، وتفتكر اليوم اللي اتقال لها فيه إن الرحمة مالهاش مكان في النظام. المنطقة رجعت لها الكارنيه، والبلد رجعت لها كرامتها، بس النهاية الأهم كانت أبسط من كل ده طفل كان بيستنى الكسرة وقت الغدا، بقى دلوقتي بيستنى لقمته وهو ضامن إن فيه قلب حنين مستنيه. وسحر تقدر تعيش بالنهاية دي لبقية عمرها وهي مرتاحة.