لقمة الكسرة
المحتويات
بيتزا الببروني، الجبنة بتبقبق، وريحتها دافية وتفتح النفس، وكان مستحيل تلاقي مبرر يخليها تحرم طفل منها في يوم عيد ميلاده. ما وقفتش تخطب، ولا رسمت في دماغها إنها بتعمل ثورة.. هي بكل بساطة مديت إيدها، أخدت كيس الورق من الصينية بتاعته ورميته في الزبالة.
وبعدين حطت له شريحة بيتزا، وعلبة لبن بالشوكولاتة، وتفاحة حمراء بتلمع. سجلت الوجبة إنها مدفوعة كاش، وطلعت مية جنيه من جيب المريلة الصغير وحطتها في الدرج. ياسين بص لها وكأنها فتحت له باب سحري في الدنيا. قالت له دي هدية الشيف الخصوصية. أخد الصينية ومشي بيها وكأنه شايل كنز.
سحر قالت لنفسها إنها هتبقى مرة وخلاص. بس ياسين رجع تاني يوم بنفس الحساب اللي عليه ديون وبنفس النظرة المكسورة.. فدفعت له تاني. ودفعت له اليوم اللي بعده كمان. ال 100 جنيه مكنتش مبلغ قليل بالنسبة لها، بس..
المراجعة اللي عملوها يوم الجمعة الصبح كشفت إن الحسابات مش متطابقة. وعلى وقت الغداء، كانت سحر مطلوبة في المكتب، وعلى الساعة تلاتة، كانت خلاص بقت عاطلة.
لما وصلت لعربيتها السيدان الزرقاء القديمة في الركن، حاولت تاخد نفسها بالعافية عشان تسيطر على نوبة الرعب اللي بدأت تنهش في صدرها. جوزها هارون كان مستني صرف الروشتة بتاعته
وفجأة شافت ست واقفة جنب باب عربيتها، شايلة طفل صغير على جنبها. الست كانت لابسة لبس التمريض سكراب كحلي، وكان باين عليها إنها واقفة بالعافية من كتر التعب. شعرها كان ملموم لورا باستعجال، وجزمتها كان عليها بقع من أرضيات المستشفى. الطفل كان ساند خده على كتفها وصابعه في بقه.
لما سحر قربت لدرجة خلتها تعرفها، الست بدأت تعيط بزيادة. كانت هناء أم ياسين. ياسين حكى لها كل حاجة أول ما استلمته من المدرسة بعد الظهر. حكى لها إن أبلة سحر جابت له بيتزا في عيد ميلاده، وإن كان فيه لبن بالشوكولاتة كمان، وإن ده أحلى غداء أكله في المدرسة من زمان. وبعدين عيط لأن طفل تاني قاله إن أبلة سحر وقعت في مشكلة بسببه.
هناء مسكت إيد سحر وفضلت تتأسف لها إنها مش قادرة تسدد ديون الكانتين، وبعدين وهي بتعيط، حكت لها حياتهم كانت عاملة إزاي السنة اللي فاتت. جوزها عمار تعب وغاب عن شغله شهور، ومصاريف العلاج والتأمين أكلت كل اللي حوشوه. ولما الديون كترت، خسروا بيتهم اللي كانوا مأجرينه ونقلوا لوكاندة رخيصة على الطريق السريع. هناء بقت تاخد ورديات زيادة كممرضة مساعدة، وعمار بقى يبيع
بعدين طلعت ورقة كراسة متطبقة من جيبها وقالت ياسين كان عايزك تاخدي دي. الرسمة كانت بالألوان الخشب، ست بشعر رمادي ومبتسمة وماسكة شريحة بيتزا عملاقة. الأبعاد كانت غلط خالص، والألوان مش متساوية، بس الوش كان فيه فرحة وبساطة ميعرفش يعملها غير طفل. وتحت، وبخط طفل في أولى ابتدائي مش واثق من الحروف، ياسين كتب كلمتين نزلوا على سحر أقوى من قرار الرفد نفسه بطلتي أنا.
سحر قعدت في عربيتها بعد ما هناء مشيت وفضلت تعيط لدرجة إنها سندت راسها على الدريكسيون. عيطت على ياسين، وعلى وجبات الكيس البني، وعلى الذل اللي محطوط جوه النظام، وعلى إنهم سموها حرامية لمجرد إنها اتصرفت ك جدة في أوضة مليانة أطفال.
ليل تها حكت كل حاجة لهارون. كان بيسمعها وهو قاعد على ترابيزة المطبخ، وقهوته بردت بين إيديه. هارون كان راجل هادي، مبيطلعش مشاعره غير في شكل شدة عصبية حوالين بقه. لما خلصت كلامها، قال لها أبسط كلمة في الدنيا إنتي أكلتي طفل جيعان، وبعدين مد إيده ومسك إيدها وقال هما اللي لازم يتكسفوا من نفسهم.
لكن الكسوف مكنش موجود عند الإدارة. سحر منامتش تقريباً، وبالليل مكنتش
الساعة تسعة، تليفونها رن. كانت مدرسة أولى ابتدائي اسمها ميادة. سحر كانت عارفاها معرفة الطرقة اللي بتبقى بين الموظفين. ميادة قالت لها إن ياسين جه الفصل وهو شايل منديل ورق من غداء عيد ميلاده عشان كان عايز يفتكر اليوم ده، وإنه قال للمدرسة إن أبلة سحر اترفدت عشان جابت له بيتزا.
ميادة قالت بصوت بيترعش من الغضب أنا عارفة إني مكنش ينفع أتصل وإنا في فصلي، بس لازم تعرفي إن الناس بتتكلم، ومش بالطريقة اللي الإدارة كانت متوقعاها.
على الظهر، كانت هناء أم ياسين نزلت صورة لرسمة ياسين على صفحة المنطقة. مذكرتش أسماء غير سحر، وده لأن سحر اترفدت فعلاً. كتبت إن موظفة كانتين خسرت شغلها عشان دفعت من جيبها عشان تأكل ابنها غداء سخن في عيد ميلاده بعد أسابيع من الجبنة الباردة لأن العيلة مديونة.
البوست انتشر في البلد زي النار في الهشيم. موظفات كانتين سابقات علقوا وقالوا إن السياسة دي بتذل العيال بقالها سنين. أهالي حكوا قصص ولادهم اللي بيرجعوا جياع عشان مكسوفين ياكلوا الوجبة البديلة. أب قال إن بنته بطلت
متابعة القراءة