لقمة الكسرة

لمحة نيوز

رفدوا مدام سحر من كانتين مدرسة الأمل الابتدائي في يوم حر وصعب. وقفت في مكتب ملوش شبابيك، وبصت لمدير المنطقة وهو بيخبط بقلمه الأسود على جدول البيانات، وكأن صوت الخبط ده هيخلي قراره يبان مهني بدل ما هو قاسي وظالم.
مازعقش..
ماخبطش بيده على المكتب..
ولا حتى مَثّل إنه متضايق من اللي بيعمله.
بكل برود فضل باصص في الورق، وقال لها تسلم الكارنيه بتاعها.
سحر عندها 64 سنة.
عاشت عمرها كله شقيانة، بدأت في مصنع غزل ونسيج، وبعدين اشتغلت في سوبر ماركت، وبعدها كانت بتنظف بيوت لما جوزها ظهره انكسر واتصاب إصابة عمل أجبرته على المعاش المبكر.
شغل الكانتين مكنش فيه برستيج، بس كان بالنسبة لها حياة.
كان بيسند معاهم في مصاريف الأكل لما معاش التأمينات مابيكفيش.
كان بيساعد في ثمن دوا الضغط بتاع جوزها.
والأهم من ده كله، إنه كان بيوفر لها تأمين صحي، وفي سنها ده، التأمين هو الفرق بين الخوف اللي يتقدر عليه وبين الرعب اللي يخلي الواحدة تصحى الساعة تلاتة الفجر مش عارفة هتعمل إيه لو تعبت.
عشان كده لما المدير قال لها إنها مطرودة بتهمة السرقة، الكلمة نزلت عليها زي القلم على وشها.
مش لأنها خايفة تتمسك أو تتحبس؛ هي عارفة هي عملت إيه وعملته ليه.
لكن لأن التهمة دي حولت الجدعنة لحاجة

وسخة.
حولت 100 جنيه هي حطتهم في المكنة من جيبها الخاص لجريمة.
قال لها إنها خالفت سياسة العدالة في المدرسة.
قال إنها عملت عجز في العهدة والجرد.
وقال إن الموظفين ممنوع يتخطوا قواعد الحسابات، لأن ده بيعمل سابقة خطيرة.
وبعدين استخدم كلمة اللوجستيات، وهي نوع الكلمات اللي الناس بتحب تستخدمها لما يعوزوا يخلوا الجوع مجرد مصطلح فني.
سحر حطت الكارنيه على المكتب.
طبقت المريلة نصين.
وخرجت في شمس آخر الصيف وهي حاسة بكرامة مجروحة وهدوء غريب، هدوء الشخص اللي اتهان لدرجة تخليه مش قادر حتى يعيط قدام الناس.
كل اللي حصل في اليوم ده كان بدأ فعلاً من أسابيع فاتت، عند مكنة الكاشير اللي بتقضي وراها خمس ساعات كل يوم مدرسة. كانت بتشوف العيال وهما ماشيين في الطابور بصواني البلاستيك، بيكبروا قدام عينها، وببراءة الأطفال العادية اللي واثقة إن الكبار هيأكلوهم لو جاعوا.
مدرسة الأمل كانت في منطقة قايمة أساساً على المصانع. ولما المصانع دي قفلت، الناس حاولت تمشي دنيتها بأي طريقة.
اللي بقى يسافر ساعة رايح وساعة جاي عشان يلقط رزقه.
واللي بقى يشتغل ورديات ليل.
واللي بقى يأجل كشف السنان، أو غيار زيت العربية، أو حتى لقمة الأكل.
في مكان زي ده، لما حساب الطالب في الكانتين يبقى بالسالب
ده مكنش إهمال من أهله.
ده كان معناه إن الإيجار كان له الأولوية الأسبوع ده، أو الدوا، أو مصاريف المواصلات.
رد الإدارة على الحسابات اللي مديونة كان نظام اسمه الوجبة البديلة.
الاسم يبان ملوش ضرر، لحد ما تشوفه بيتنفذ قدامك.
لو حساب الطفل بقى عليه ديون أكتر من 50 جنيه، كان لازم موظف الكانتين يسحب منه الوجبة السخنة اللي اختارها.
ساندوتش الكفتة أو المكرونة أو البطاطس المحمرة.. كله يترمي في الزبالة.
وبعدين الطفل ياخد كيس ورق بني، فيه رغيف عيش وجبنة.. وبس.
سحر كانت بتشوف الموظفين وهما بيستخدموا كلام ناعم قدام الإدارة؛ الوجبة الاقتصادية، وجبة الالتزام، أو بروتوكول العدالة. بس بين عمال الكانتين وبعضهم، لما مبيكونش فيه مشرفين موجودين، كان فيه اسم تاني هو اللي ماشي لأنه كان حقيقي أكتر.. غدوة الشمت.
الأطفال كانوا بيفهموا الاسم ده من غير ما حد ينطقه. كانوا بيفهموه من الطريقة اللي كتافهم بتترمي بيها لتحت لما الصينية بتتاخد منهم. بيفهموه من الطريقة اللي الكانتين بيبقى أهدى فيها فجأة حواليهم. بيفهموه من نظرات العيال التانية اللي بتراقب إيه اللي جوه الكيس وإيه اللي ناقص منه. الجوع كان لوحده كفاية، بس إنك تجوع قدام الناس.. ده كان أصعب بكتير.
ياسين كان بياخد الكيس
ده لمدة ست أسابيع ورا بعض. طفل عنده ست سنين وجسمه قليل بالنسبة لسن أولى ابتدائي، شعره دايماً محتاج يتقص، ولابس سويت شيرت رمادي باهت كان بيلبسه كتير لدرجة إن سحر بقت بتعرف أيام الأسبوع منه. مكنش طفل بيعمل مشاكل، ولا كان صوته عالي. كان من نوعية الأطفال اللي كأن جسمهم كله بيعتذر إنه واخد حيز من المكان. كل يوم كان بيقف في الطابور، يستناها لما تشوف الشاشة، ويمد إيده قبل ما هي حتى تطلب منه.
والأصعب من كل ده إنه مكنش بياكل الأكل تقريباً. كان يقعد في آخر التربيزة، يقطع العيش حتت صغيرة ببطء، يقرقض الأطراف، ويخبي الباقي تحت منديل ورق. سحر شكت إنه مكسوف، بس بعدين عرفت إنه ساعات كان بيشيل حتة في جيبه عشان أخوه الصغير.
في يوم ثلاثاء من شهر سبتمبر، ياسين جه في الطابور وكان وشه باهت وتحت عينه أسود وواقف بالعافية. سحر بصت في الكمبيوتر وشافت ملحوظة صغيرة جنب اسمه عيد ميلاده. بصت له وقالت بصوت واطي مفيش حد سمعه غيره كل سنة وإنت طيب يا ياسين.
رفع عينه في عينها، وكانت بتلمع من كتر ما هو بيحاول يفضل شجاع وميعيطش. همس وقال لها ماما بتقول لك معلش، هي هتقبض يوم الجمعة. جملة صغيرة قوي، بس كان جواها بيت كامل عايش في التعب والهم.
سحر بصت للكيس البني اللي على صينيته، وبعدين
بصت ناحية السخان اللي كان فيه
تم نسخ الرابط