المنقذ وقت الشدة بس
أخويا عزم العيلة كلها على فرحه الأسطوري.. الكل ملوش استثناء، إلا أنا. بعدها بكام ساعة بعت لي رسالة باردة لو عديتي بالليل، استني بواقي الأكل، هشيلك طبق. قريت الرسالة ومردتش. وبالليل، لما رجع بيته، كان فيه ظرف مستنيه قدام الباب. جوه الظرف كانت فاتورة إيجار قاعة الفرح اللي دفع فيها كل مليم حيلته، ومعاها ورقة صغيرة شكراً لأنك دعمتِ سلسلة القاعات بتاعتي. وبعدها...
قريت الرسالة تلات مرات قبل ما أسيب موبايلي يضلم.
من شباك عربيتي في ركن الجراج، كنت شايفة عربيات الليموزين وهي داخلة ورا بعض، كشافاتها بتشق ضلمة ليل نوفمبر. كان فيه فرقة بتعزف جوه، وصوت المزيكا بيطلع لبره كل ما الباب يفتح. النور الدهبي كان طالع من شبابيك القاعة ورامي ضله على الجناين اللي بره.
200 ضيف جوه بيحتفلوا بأخويا مروان وعروسته الجديدة. كل خالاتي، أعمامي، وولاد عمي اللي كبرت معاهم. بابا وماما أكيد بيضحكوا وهما بيصوروا، وبيقولوا لكل اللي يقابلهم قد إيه هما فخورين بابنهم.
أنا مكنتش جوه.
أنا متعزمتش أصلاً.
الرسالة جت لي من مروان نفسه، قبل الفرح بساعة مجرد تذكرة يا أختي الصغيرة، لو مريتي بالليل، استني الفضلات، هنشيلك منابك. وبعدها إيموجي بيضحك، كأنه بيحط مخدة طرية فوق دبوس حاد، وكأننا إحنا الاتنين فاهمين
مردتش عليه.
شفت ست بفستان فضي نازلة من عربيتها وهي بتضحك، ومسكت في إيد جوزها ودخلوا القاعة، بلعهم الدفا والنور وأنا فضلت واقفة لوحدي في السقعة.
فيه إحساس غريب بيجيلك لما تتعود إنك مستبعد لفترة طويلة. في الأول بيوجع، بعدين بيلخبطك، وفي الآخر بيبقى عادي، زي چرح قديم ملمش صح. بتبطل تستنى عدل، وبتبطل تتفاجئ. بتتعلم تقف دايماً على جنب، ومستعد تمشي لو حسيت إنك مضايق حد.
دي مكنتش أول مرة يستبعدوني من تجمع عيلة.
افتكرت عيد ميلادي التلاتين، لما أمي كلمتني بعدها بيومين عشان كانت مشغولة بتنقل مروان لشقة جديدة. افتكرت يوم تخرجي من الجامعة، لما أبويا كان كل شوية يبص في ساعته ومشي بدري عشان يلحق ماتش كورة لمروان. افتكرت الأعياد اللي كنت بجيب فيها الأكل ومقعدش أبداً على الترابيزة الرئيسية. صور العيلة اللي دايماً كنت بقف فيها على الحرف، نص وشي طالع ونص غايب، كأن اللي بيصور نسيني وأنا واقفة.
جزء مني كان عاوز يغضب، وفعلاً كنت ڠضبانة، بس في الأغلب كنت حاسة إني مهدودة من كتر الانتظار والأمل والأعذار اللي كنت بخلقها لناس عمرهم ما فكروا يخلقوا عذر واحد عشاني.
جوه القاعة المزيكا عليت. كنت متخيلة مروان في نص الليلة، واثق، جذاب،
محدش سأل أنا فين.
ولو حد سأل، كنت عارفة أمي هترد تقول إيه إنت عارفها، بتحب تبقى لوحدها، هي كويسة وماشي حالها.
أنا قضيت عمري كله كويسة وماشي حالي، اتعلمت إني محتاجش كتير، مسألش أسئلة، وأوسع الطريق كل ما مروان يحتاج مساحة.
اللي محدش سأله، ولا حد فكر فيه، أنا كنت بعمل إيه في السنين اللي كنت بوسع فيها الطريق لغيري؟
بصيت للمبنى اللي قدامي، القاعة الفخمة، الشبابيك العالية، والنظام اللي مبيغلطش لأن كل تفصيلة فيه مدروسة. أنا كنت عارفة القاعة دي كويس، أكتر من أي حد جوه. عارفاها لدرجة إنك مكنتش تتخيلها، لأني قضيت سنين مهتمة بكل تفصيلة فيها قبل ما أي ضيف يلاحظ وجودي.
النور والضحك والسكوت.. كل ده
كان في صدري.
سمعت صوت تصقيف عالي، غالباً دي الرقصة الأولى. تخيلت مروان وهو بيلف بعروسته والكل بيصور.
ملفتش وشي.
بالليل في بيتي، صبيت لنفسي عصير وقعدت لوحدي. السكوت كان مختلف عن السقعة اللي بره. كان أهدى، وأصدق. قعدت أتفرج على الصور اللي نزلت.. تقطيع التورتة، الضحك. غيابي مكنش ليه أي أثر.
لأكتر من 15 سنة، كنت أنا اللي بسد الثغرات اللي محدش بيلاحظها،
الليلة دي خلت الأمور واضحة.
مكنش غل، ولا كنت عاوزة ردود. اللي حسيته كان هدوء تقيل.. وقرار نهائي.
القرار مجاش بانفعال، جه ببرود وبدقة.
خلاص مفيش تفسيرات. مفيش تحمل لتمن اختيارات غيري. مفيش تصليح لحاجات محدش بيلاحظها غير لما تبوظ.
أنا كنت الحل المخفي لسنين طويلة لدرجة إنهم نسوا شكل الحياة من غيري.
دلوقتي هيفتكروا.
تاني يوم الفرح عدى في هدوء تام. 14 ساعة تليفوني ميرنش. ولما نور أخيراً، كنت نايمة في الضلمة ببص للسقف. رسالة من أمي، قصيرة وجافة إنتي كويسة؟
مردتش فوراً. سبت نور الموبايل في إيدي.
ده مكنش سؤال اطمئنان، مكنش فيه سيرة للفرح، ولا اعتراف إني مكنتش هناك.
دي كانت صيانة.. بيتأكدوا إن السيستم لسه شغال.
رديت في الآخر أنا كويسة.
الكلمة دي هي اللي شالتني طول حياتي. طول ما أنا كويسة، يبقى مفيش داعي نناقش حاجة.
الموضوع بدأ من زمان.
كان عندي 12 سنة لما مروان جاله قبول في معسكر رياضي غالي. تكاليف المعسكر خلت البيت كله مقلوب أسابيع. كلامنا كان عن الميزانية والتضحيات عشان مستقبله.
محدش سألني أنا عاوزة إيه.
ولما القرار اتخد، دروس الرسم