مفيش احساس

لمحة نيوز

تسيطر عليه لو هو الحاجة الوحيدة اللي بتواجهها، بتتنفس، بتحط تلج، بتشغل التلفزيون. لكن الوجع بيبقى حاجة تانية خالص لما تضيف له المسؤولية.
ماكس وليلي دخلوا الشقة زي الإعصار. في عشر دقايق ماكس استولى على الريموت والكنبة بقت مقر قيادته. ليلي كانت بتلف تلمس كل حاجة كأنها في معرض حاجات أونكل بارني اللي مش عايزها تتبصم بصباع ملزقة.
حاولت أهدي الأمور. قلت لنفسي بس عدي العشا، ونيمهم، وهتعدي. العشا كان بيتزا مجمدة، مكنتش هجادل طفل عنده سبع سنين ممكن يستخدم الجوع كسلاح. كنت بتحرك ببطء شديد، مجرد فتح الفريزر خلى مكان العملية ينقح عليا.
ماكس اشتكى إن البيتزا طعمها تلاجة، وليلي عيطت عشان البيتزا متقطعتش مثلثات صح. لما أخيراً كلوا، قعدت وأنا غرقان في عرقي كأني جريت ماراثون.
فجأة، ماكس دلق العصير على الكنبة. مكنش دلق بسيط، كان كأنه مشهد جريمة. اندفعت من غير تفكير عشان ألحقها، وضهري ولع نار. وجع أبيض حرق جسمي لدرجة إني شفت شرار قدام عيني. وقفت مكاني وأنا موطي نص توطية، محبوس بين رد فعلي والواقع.
ماكس بص لي بذهول أنت كويس؟
عدلت جسمي سنتيمتر بسنتيمتر كأن ضهري من إزاز أيوة.. أنا تمام.
مكتنش تمام، الغرز اتشدت، وجسمي عاقبني عشان فكرت إني أتحرك بسرعة. ليلتها، بعد ما نيمتهم بالعافية، قعدت على الأرض عشان الكنبة كانت عالية وصعب أطلع عليها من غير ما أوطي غلط.
ميليسا مكلمتنيش ولا مرة. بعت لها لازم ترجعي، أنا مش بهزر، مش هقدر أكمل. الرسالة ظهر إنها اتقرأت في دقايق، ومفيش رد.
تاني يوم الصبح كان أسوأ. الولاد بيصحوا بدري في الأماكن الجديدة، وصوتهم عالي كأنهم بينادوا الشمس. ماكس بيصرخ إن ليلي خدت التابلت، وليلي بتصوت إن ماكس بيبص لها بشكل
وحش. ضهري اتشنج من الدوشة بس.
بحلول وقت الغدا، كان عندي صداع رهيب وحوض المطبخ مليان مواعين مش مفروض أشيلها. جربت أكلم ديريك تاني الموضوع خرج عن السيطرة، لازم تتصرف. رد بعد عشر دقايق أنا آسف يا صاحبي، هي خلاص ركبت الطيارة.
بصيت لرسالته لحد ما الحروف زغللت. مين بيعمل كده؟ مين يرمي ولاده لواحد لسه طالع من أوضة العمليات ويختفي ورا المحيط؟
الأيام اللي بعدها شقتي بقت ساحة معركة. ماكس بيرمي ورق الشيبسي في كل حتة، وليلي رسمت على التربيزة وكانت هتدخل على الحيطة لولا إني لحقتها. كل مرة كنت بضطر أقوم فيها بسرعة، جسمي كان بيفكرني إني مفروض بلم جراحي مش بفك اشتباكات.
الأسوأ مش الكركبة ولا الدوشة، الأسوأ هو العجز. ضاع عليا ميعاد المتابعة مع الدكتور لأني مقدرش أسيب الولاد لوحدهم، ولا أقدر أخدهم معايا عيادة هيقعدوا يلمسوا فيها كل حاجة. لما الممرضة كلمتني، حكيت لها الحقيقة، وسكتت سكتة معناها أنا بحاول مغلظش في أختك.
قالت لي بارني، ده غير مقبول، إنت لازم تريح، مفيش حد بيساعدك؟ ضحكت بمرارة واضح إن مفيش.
في اليوم الخامس كلمت أهلي. مكنتش عايز أدخلهم في الموضوع عشان ده معناه محاضرة في صلة الرحم والتسامح، بس كنت خلاص جبت آخري.
أمي ردت بصوتها الفرفوش أهلاً يا حبيبي! عامل إيه دلوقتي؟
زي الزفت، عشان ميليسا رمت ولادها عندي وطارت لباريس.
سكتت شوية وبعدين اتنهدت يا بارني..
متقوليش إنت عارف أختك.. أرجوكي.
قالتها برضه إنت عارف أختك، هي بس كانت محتاجة تفصل.
انفجرت فيها تفصل من إيه؟ أنا ضهري كان مفتوح، مش عارف حتى أفرد جسمي!
أبويا خد الموبايل وقال بصوت عاقل يا ابني، أكيد مكنش قصدها تأذيك، استحمل بس كام يوم كمان.
كام يوم كمان.. كأن فترة نقاهتي
دي مجرد عطل فني في الجو.
قعدت وسط الكركبة، فتافيت في السجاد، لعب في كل حتة، بصمات ملزقة على التربيزة، وأنا بالعكاز والأدوية وبدأت أستوعب إن مفيش حد جاي ينقذني.
بعد الظهر، مدام هولواي خبطت. ست في السبعينات، عينيها صقر، بتعرف دبة النملة في العمارة. بصت ورايا على الفوضى وقالت يا بارني يا حبيبي، إنت كويس؟ أنا سامعة صوت جري طول الليل.
حكيت لها ولاد أختي، هي في باريس.. رمتهم هنا وأنا لسه عامل العملية.
مدام هولواي برقت باريس؟ البت دي اتجننت!
لما قالتها بصوت عالي، حسيت بوجع وكسوف، كأن كلامها خلى الحقيقة تلمسني بجد. وبعدين فاجئتني هاتهم عندي كام ساعة، روح نام إنت، شكلك كأنك كنت مربوط في ضهر عربية ومجرور وراها.
كنت هعيط من الفرحة بجد هتعملي كده؟
قالت لي يا ابني أنا ربات تلات صبيان، عيلين مش هيخوفوني.
مدام هولواي خدتهم الحديقة، والشقة هديت لأول مرة. ريحت ضهري ونمت نومة عميقة كأن جسمي كان مستني الإذن ده. لما صحيت، لقيت ورقة منها هما ولاد شطار، بس محتاجين حد حازم معاهم. أختك دي حكاية تانية.
قريت الجملة مرتين حد حازم. طول عمري كنت الشخص السهل، اللي بيصلح لميليسا حوضها، بيشيل لها العفش، بيسلفها فلوس لما الفيزا تصرخ. كنت فاكر إن الجدعنة هتخليها تقدرني، بس الحقيقة إنها خلتها تستغلني.
بالليل، قعدت أتفرج على صورها في باريس على السوشيال ميديا. واقفة قدام برج إيفل وكاتبة أخيراً الراحة اللي أستحقها.
فتحت نوتة الموبايل وبدأت أكتب اليوم الأول ميليسا بعتت وأنا رفضت. اليوم التالت رمتهم قدام الباب وهربت. اليوم الخامس ضاع عليا ميعاد الدكتور.
في الأول كنت بكتب عشان مخي ما ينفجرش، بس بعدين الكلام بقى دليل. بقى خطة. لما بعتت رسالة بتقول
إنها هتمد الأسبوع كمان كام يوم بمنتهى البرود، مكنتش مصدوم.. كنت مستعد. مش عشان أصوت ولا أترجاها.. عشان أخليها تفهم يعني إيه عواقب.
الرسالة جت الصبح في اليوم اللي المفروض ترجع فيه هاي، تغيير بسيط في الخطط، قررنا نقعد تلات أيام كمان. باريس تجنن مش قادرين نمشي. ماتزعلش مني.
إيدي كانت بتترعش من الذهول. مكنتش بتستأذن، كانت بتبلغني كأنها بتبلغني بحالة الطقس. كتبت ببرود ميليسا، لأ، مش هقدر أكمل. أنا تعبان، لازم ترجعي.
ردت بصورة سيلفي وهي بتضحك قدام متحف فكك بقى، ديريك قال تمام، وهيبعت لك فلوس للأكل. إنت زي الفل يا أونكل بارني.
فلوس.. كأن المشكلة في تمن الأكل، مش في عمودي الفقري. كلمت ديريك فوراً خليها ترجع.. دلوقتي.
اتنهد وقال حاولت، مابتسمعش الكلام.
يعني إيه مابتسمعش؟ دول ولادك!
همس عارف.. بس قالت لو ضغطت عليها هتقفل الفيزا، وهي أصلاً مستخدمة الفيزا في الأوتيل، مش حمل خناقة تانية.
فهمت.. ديريك مش شرير، ديريك خايف. قلت له ديريك، ده إهمال. قال لي عارف.
ليلتها قعدت في الضلمة، فكرت في كل مرة أهلي قالوا لي إني ببالغ وإني لازم أستوعبها. واعترفت لنفسي بالحقيقة اللي كنت بهرب منها ميليسا مابتهتمش. لا بوجعي، ولا بحدودي، ولا حتى بمصلحة ولادها في اللحظة دي. هي بتهتم بس باللي هي عايزاه، وإزاي تخلي غيرها يدفع التمن.
فتحت كشكول وبدأت أكتب بجد. تواريخ، ساعات، سكرين شوت لرسائلها، مكالمات لم يرد عليها. صورت كل ده وطبعته. وقررت أعمل حاجة تانية.. بطلت أنظف ورا الولاد. كنت بأكلهم وأحميهم وأحافظ عليهم، بس بطلت أمسح أدلة الفوضى. خليهم يبانوا.
الموضوع مكنش عقاب للولاد، هما ملهمش ذنب، الموضوع كان مواجهة لميليسا بالحقيقة اللي بتحاول تجملها.

كلمت شركة الطيران ببيانات حجزها اللي كانت
تم نسخ الرابط