مفيش احساس

لمحة نيوز

كنت فاكر إن أسوأ وجع ممكن أحس بيه في حياتي هو الوجع الجسماني. عضلة اتمزقت، غضروف اتزحزح من مكانه.. الإحساس الكهربي الحراق اللي بيضرب في رجلك ويخليك تندم على كل قرار خدته في حياتك، زي مثلاً إنك كان المفروض تطلع أمين مكتبة بدل ما تبقى الشخص اللي فاكر إن شيل الحاجات التقيلة كمان مرة دي ميزة في شخصيته.
بعدين عرفت إن فيه أوجاع مابتظهرش في أشعة الرنين.
أنا اسمي بارني، عندي تلاتة وتلاتين سنة. عايش لوحدي في شقة صغيرة بتطل على حيطة طوب، وعندي بوستجي بيكره الناس كلها بالتساوي، وجارة اسمها مدام هولواي بتتعامل مع الطرقة اللي قدام شقتي كأنها بلكونة بيتها. من كام شهر، عملت أخيراً عملية في أسفل ضهري، العملية اللي الدكتور كان بيحذرني منها بقاله سنين.
الموضوع بدأ بحادثة في الشغل، من النوع اللي بيحصل بسرعة وبتحس إنه بسيط في الأول، وبعدين يفضل ملاحقك زي ضلك. جربت علاج طبيعي، حقن، وحاولت أنشف، ودي مجرد كلمة بنقولها عشان نتجاهل جسمنا لحد ما يقرر يشتكينا رسمي. في الآخر الدكتور بص في الأشعة، وبصلي، وقال لو مصلحتش ده دلوقتي، هتندم لما توصل للأربعين.
العملية عدت على خير، أو ده اللي قالوه. بس فترة النقاهة كانت كأن حد جاب عتلة ورشقها في عمودي الفقري وسابها هناك تذكار. التعليمات كانت صارمة ممنوع تشيل أكتر من اتنين كيلو، ممنوع توطي، ممنوع تلف جسمك، تتمشى مسافات قصيرة بس، وتريح كأن ده شغلك الأساسي. حتى جبت أداة لقاطة كده عشان ما أوطيش أجيب حاجة من الأرض، خلتني أحس إني ديناصور بيلعب كورة.
جهزت نفسي كأني داخل حرب. أكل مجمد، بسكويت، مية، وأدوية الوجع مرصوصة زي العساكر. الكنبة بقت هي مركز القيادة، ورصيت المخدات

حواليا زي متاريس الرمل. قلت لنفسي هما أسبوعين، وبعدها هقف على رجلي تاني، هبقى تعبان شوية بس هخف وأسترد حياتي.
بعد العملية بتلات أيام، الموبايل رن.. دي ميليسا.
أختي طول عمرها شخصيتها صعبة. وإحنا صغيرين كان عندها موهبة إنها تخلي أي مصيبة متبانش إنها غلطتها. لو سرقت بطاطسك، يبقى عشان إنت أصلاً ما كنتش هتاكلها. لو اتأخرت برا البيت، يبقى عشان العالم ظالم للبنات اللي عايزين يتبسطوا. أهلي كانوا بيسموا ده ثقة بالنفس، أنا كنت بسميه بجاحة متغلفة بكلمتين حلوين.
ميليسا عندها طفلين ماكس، سبع سنين، وصوته عالي لدرجة إنك تسمعه من ورا الحيطان. وليلي، خمس سنين، رقيقة لحد ما تقلب، وده بيحصل كتير. وجوزها ديريك، راجل ماشي في الحياة كأنه خايف يصحصح دب نايم، مؤدب وهادي ودايماً تحس إنه بيعتذر لمجرد إنه موجود.
رسالتها ظهرت وكأن الموضوع عادي جداً هاي يا بارني. سؤال سريع.. تقدر تاخد بالك من الولاد لمدة أسبوع؟ أنا لسه حاجزة رحلة لباريس!
في الأول ضحكت، مش عشان الموضوع يضحك، بس عشان عقلي رفض يستوعب إن ده بجد. باريس؟ وأنا مش عارف ألبس شرابي من غير ما أطلع صوت زي حيوان البحر وهو بيموت؟
كتبت الرد ببطء وصوابعي تقيلة من مفعول الأدوية ميليسا، أنا لسه عامل عملية في ضهري. أنا بالعافية بتمشى، مش هقدر أرعى حد.
ردها جه في ثانية يا عم فكك، إنت كده كده قاعد مابتعملش حاجة. هما سهلين، وهتنبسط إن فيه حد معاك.
كلمة سهلين دي المفروض تتحرم دولياً. ماكس متعه في الحياة إنه يشوف هيقدر يهبد البيبان بقوة قد إيه، وليلي قبل كده رسمت على الحيطة بقلم فلوماستر عشان كانت عايزة الحيطة يبقى عندها مشاعر. الونس في عالم ميليسا معناه فوضى بزيادة
وإيدين ملزقة من الحلويات.
حاولت تاني ميليسا، أنا ممنوع أشيل أي حاجة، ومفروض ما أوطيش أصلاً. أنا باخد مسكنات قوية، الموضوع ده مش أمان.
المرة دي ماردتش عليا فوراً. ساعة عدت، فقلت تمام، يمكن فهمت إن ضهر لسه مفتوح مش بيساوي حضانة أطفال. بعدين ظهرت رسالة تانية أنا خلاص دفعت تمن التذاكر ومابتتردش. أرجوك ماتصعبش الموضوع عليا، إنت عارف إني محتاجة أفصل شوية.
الجملة الأخيرة دي خلتني أحس ببرود في جسمي كله. ميليسا دايماً محتاجة تفصل، من إيه بالظبط؟ هي بتشتغل يومين في الأسبوع، وأهلي لسه بيساعدوها في المصاريف. ديريك بيشتغل طول الوقت وبرضه هو اللي بيعمل أغلب شغل البيت. حياة ميليسا كانت عبارة عن دايرة مستمرة من الإرهاق بسبب نتايج قراراتها هي.
كلمتها، رنت وماردتش. كلمتها تاني، برضه مفيش. بعدها بشوية موبايلي رن، مش ميليسا.. ديريك.
صوته كان مهزوز هاي يا بارني.. ميليسا قالت لي إنك هتقدر تساعدنا الأسبوع الجاي. بجد متشكرين، هي كانت مضغوطة جداً وإنت عارفها لما بتضغط، والولاد هيبقوا هاديين، أوعدك.
بصيت لسقف الأوضة كأني مستني وحي ينزل عليا ديريك، أنا جسمانياً مش قادر، أنا بالعافية بعرف أقف، مش هقدر أعمل كده.
سكت شوية وقال أيوة.. أنا فاهم، بس هي قالت..
قطعت كلامه بحزم هي غلطانة، أنا بقول لأ.
تمتم بكلمة شبه الاعتذار وقفل. بعت له رسالة صوتية لما ماردش على مكالمتي بعدها مش هقدر، أنا في فترة نقاهة، شوفوا حد غيري، ده مش موضوع للنقاش.
خدت أدويتي ونمت وحاولت أركز في علاجي. يومين مسمعتش حسهم.
تالت يوم الصبح، صحيت على خبط رزع على الباب. مش خبط مؤدب، ده خبط بيقول يا فيه حريقة يا فيه حد شايف إن الأبواب دي مجرد ديكور.

قمت وجرجرت نفسي بالعكاز، كل خطوة كانت كهربا بتضرب في ضهري. فتحت الباب.. ميليسا كانت واقفة بنضارة شمس كبيرة وابتسامة عريضة كأنها رايحة تفطر في مطعم مش بترمي قنبلة في نص فترة نقاهتي. وراها شنطة فوشيا كبيرة، وماكس وليلي ماسكين عرايسهم وشكلهم لسه صاحيين من النوم.
مفاجأة! قالتها بمنتهى البساطة، كنت عارفة إنك هتقول أيوة لما تشوف وشوشهم الحلوة دي.
مقدرتش أنطق لثواني، عقلي كان بيحاول يستوعب المشهد.
ميليسا، إنتي بتعملي إيه؟
دخلت من جنبي وزقت الشنطة جوه الشقة باريس! هتبقى زي الفل يا بارني. الولاد معاهم أكلهم والتابلت بتاعهم، مش هيتعبوك، بس خد بالك لا يقتلوا بعض.
سندت على حلق الباب عشان ما أقعش أنا قلت لك لأ! قلت لك مش بعرف حتى أوطي!
هزت إيدها باستهتار إنت بتبالغ، طول عمرك بتبالغ.
الجملة دي نزلت عليا زي الضربة. دي نفس الحجة اللي بتستخدمها طول حياتنا؛ لو اتوجعت يبقى بتمثل، لو زعلت يبقى حساس زيادة، لو قلت لأ يبقى أناني.
قبل ما أفتح بوقي وأعترض، كانت هي نزلت على ركبها تحضن الولاد خليكم شطار مع أونكل بارني، هرجع لكم بسرعة. وبعدين باست الهوا اللي جنب خدي وخرجت وقفلت الباب وراها.
وقفت مكاني متجمد، وسامع صوت كعبها وهو بيبعد. بعدها بلحظة الأسانسير رن، وبعدها باب العمارة اتقفل. وبكده أختي طارت لفرنسا، وسابتني في شقتي مع طفلين، وعكاز، وعمود فقري مربوط بدبابيس وأمل.
ماكس بص لي وقال عندك بيتزا؟ وليلي شدت كمي ممكن أتفرج على كرتون؟
بلعت ريقي بصعوبة، وفي وسط الوجع اللي في جسمي، نبتت فكرة هادية وخطيرة لو ميليسا عايزة تتعامل معايا كأني ممسحة جزمة، يبقى لازم تعرف إن الممسحة دي ممكن تتقلب.
أول ليلة عرفت
حاجة مهمة عن الوجع. الوجع ممكن
تم نسخ الرابط