اللحظة اللي انكسرت فيها
المحتويات
بيطلع زي الدخان من نار كنت فاكراها انطفت. ومع كده، رجعت في كام إجازة، وبقنع نفسي إن التحمل هو هو الحب.
بعد التخرج، لقيت شغلانة في تنسيق برامج التوعية للمجتمعات المحرومة في الولاية. كان شغل له معنى، الشغل اللي بيخلي الدنيا تبان أكبر من اللي كبرت فيها. اتعلمت أتكلم بثقة مع الغرباء، وأدافع عن الناس اللي ملهاش صوت. لكن مع عيلتي، السكوت القديم كان بيرجع بسهولة تخوف. حواليهم، ثقتي كانت بتكش وتبقى همس. حتى وأنا كبيرة، كنت برجع الطفلة الهادية تاني، المتبرمجة إنها تتجنب إنها تثير غضب كونور أو خيبة أمل أمي.
لما ببص لورا، بشوف إزاي العادات دي شكلتني بعمق. كنت بقول آه وأنا عايزة أقول لأ. كنت بعتذر الأول حتى لو مكنتش غلطانة. كنت بتجاهل علامات الخطر لأن الاعتراف بيها كان معناه مواجهة حقايق ممكن تكسر حتة العيلة الصغيرة اللي باقية. كنت بقول لنفسي إن تحمل الأذى نبل، وإن الولاء معناه إنك تفضل حتى لو البقاء بيكلفك أجزاء من نفسك مش هتعرف تعوضها.
بس التعاطف مش بيكبر بالتساوي. تعاطفي كبر لبرة ناحية الغرباء، في حين إنه كش لجوة ناحية نفسي. شغلي في الصحة العامة علمني أتعرف على أنماط الأذى في المجتمعات، ومع كده فشلت إني أشوف نفس الأنماط اللي عايشة معايا
مكنتش ساكتة عشان معنديش قوة. كنت ساكتة عشان السكوت كان مفروض عليا. وتحت السكوت ده، كان في حاجة صبورة مستنية تقوم. النضج كان المفروض يحسسني بالحرية، بس بالنسبة لي كان أقرب لمسافة متخفية في شكل استقلال؛ مسافة طويلة وهادية بين الشخص اللي كنته والشخص اللي كنت بتمنى أكونه.
لما نقلت ل فورت كولينز بعد الجامعة، أخدت معايا شنطة سفر واحدة، ولاب توب مستعمل، وإيمان بإن المسافات بيني وبين بيت طفولتي أخيرًا هتفك قبضة الجروح القديمة. أجرت شقة صغيرة فوق محل عجل، حيطانها خفيفة لدرجة إني كنت بسمع صوت تروس العجل والزباين داخلين طالعين. بالليل، نور الشارع اللي برة شباكي كان بيعكس ضوء أصفر هادي بيحسسني براحة غريبة، كأن الدنيا نفسها بتحرسني.
غرقت نفسي في الشغل، نوع التوعية اللي
الشغل إداني هوية غير الأدوار اللي اتفرضت عليا في البيت. إداني الإذن إني أتكلم، أدافع، أقود، ويكون ليا أهمية. بس الصدمات النفسية بتعرف تسافر بهدوء ومن غير عزومة. مهما بعدت بالعربية أو مهما لمست حيوات ناس، بواقي الماضي كانت بتطاردني، بالذات في الإجازات. ده الوقت اللي أمي كانت بتكلمني فيه وتصر إني أرجع البيت.
صوتها كان متغلف بالذنب والشوق وحاجة أحدة متدارية. كانت بتستخدم جمل بتشد أضعف حتة فيا العيلة أولًا، أخوكي مفتقدك، إحنا محتاجينك. كل طلب كان بيبان كأنه اختبار، وكل زيارة للبيت كانت رجوع لورا. أول ما بخطي من باب البيت، كتافي كانت بتنحني لجوة، صوتي بيوطى، والبنت الهادية اللي نجت بالاختفاء كانت بتظهر تاني.
كونور
أمي كانت بتدافع عنه بإخلاص مبيتهزش، وبتصر إن عنده إمكانيات العالم مش واخد باله منها. كانت بتقول إنه لسه بيعاني من الحزن، رغم إن كونور حول حزنه ده لعذر دايم من قبل حتى ما يكبر. اتعلمت بسرعة إن الأيام الهادية دي مجرد وهم. التوتر في البيت كان دايمًا بيغلي تحت السطح، مستني شرارة. لو سيبت النور شغال، كونور كان بيهب فيا إني بضيع الكهربا. لو اشتريت طلبات للبيت من غير ما أسأل، يبرطم إني بتمنظر عليهم. لو تليفوني رن برسايل شغل، كان بيبتسم بسخرية ويقول مفيش شغلانة حقيقية بتحتاج حد بعد الساعة 5.
أمي كانت بتعدي كل موقف. هو ميقصدش حاجة. إنتي عارفة هو بيتوتر إزاي. متعمليش مشكلة عشان خاطري. الكلمات دي كانت بتتردد زي ترانيم قديمة في كنيسة مألوفة. كنت حافظة كل مقطع، ومع كده جزء مني كان ماسك في أمل إنها في يوم من الأيام تبصلي
متابعة القراءة