اللحظة اللي انكسرت فيها

لمحة نيوز

ريحة اللحمة المشوية كانت مالية هوا كولورادو الدافي وأنا بخطي جوة جنينة بيت أمي، المكان اللي كان زمان بيحسسني بالأمان قبل ما سنين من التوتر تحوله لمكان مألوف للرعب المكتوم. الضحك كان بيتردد حوالين الترابيزات، ضحك ضعيف ومقلق، كأن كل واحد خايف يكسر حاجة هشة.
كان عمري 28 سنة وكنت مرهقة بطريقة الدكاترة ميعرفوش يقيسوها، التعب اللي بيكبر من سنين وإنتي بتوطي صوتك عشان عصبية حد تاني متولعش في الدنيا. أخويا كونور كان واقف جنب الشواية وماسك قزازة بيرة في إيده، وكتافه مرخية زي الرجالة اللي مصدقة إن الدنيا مديونالهم بتسقيفة. كان باين عليه إنه بيشرب من الظهر من مشيته التقيلة والحمار الخفيف اللي زاحف على خده.
أمي كانت بتحوم وراه، مشغولة في سلطة البطاطس والأطباق الفل، وبتعمل نفسها مش واخدة بالها إزاي صوته بيحد أول ما عينيه بتيجي عليا. هي دايمًا بتعمل نفسها مش واخدة بالها. التجاهل كان أسهل من إنها تعترف إن ابنها المدلل كبر وبقى راجل بيكسر الأوض بغضبه. إيميلي اللي بتساعد. إيميلي الهادية. إيميلي الأخت اللي عمرها ما بترد. النسخة دي مني كانت بتسهل حياة الكل، والكل كان متوقع إنها تظهر النهاردة كمان. بس تحت ابتسامتي المهذبة، كان في حاجة بتنبض، إنذار

حسيته أقدم من عضمي.
كونور رفع معلقة الشوي كأنها ميكروفون وابتسم لولاد العم اللي ملمومين حواليه كأنهم جمهور معجبين. وبعدين نده عليا بصوت مليان احتقار كأنه متدرب عليه بقاله سنين شوفوا مين أخيرًا قررت تيجي، أميرتنا الصغيرة بتاعة الصحة العامة. مط في الكلمات لحد ما بقت كلها تريقة. هي بتعمل إيه صحيح؟ رسومات بيانية وشوية ورق. ولا حاجة حقيقية، ولا حاجة ليها لازمة.
كام حد من القرايب ضحكوا زي ما الناس بتعمل لما يكونوا خايفين ميضحكوش. أمي اتنفضت بس مقالتش حاجة. عمرها ما بتقول حاجة ممكن تتهز بيها حتة السلام الهشة اللي بتعبدها أكتر من الحقيقة. ربعت إيديا وبحاول أثبت نفسي قدام الوجع اللي بيطلع ورا ضلوعي. صهد الشواية كان بيخبط في جنبي، وريحة حرق الدهون المعدنية دي قافلة زوري.
كونور قرب، وهو بيطوح شوية، والبيرة بتطرطش من القزازة. عارفين هي لسه سنجل ليه؟ أعلنها بصوت عالي، عشان محدش عايز واحدة شايفة نفسها أحسن من عيلتها. كلامه قطع الهوا. الجنينة كلها سكتت السكوت المألوف بتاع الناس اللي بتتفرج على كارثة وبيعملوا نفسهم مش عارفين يوقفوها. حسيت بكل العيون بتميل ناحيتي كأنها كشافات مستنية مني رد فعل.
نفسي اتكتم، بس فضلت ثابتة لأن الانهيار قدام كونور
كان دايمًا خطر. هو بيتغذى على الإهانة زي ما النار بتتغذى على الأكسجين. خد خطوة تانية بطيئة وحط صباعين على كتفي بحركة تبان هزار من بعيد بس من تحت الجلد تحسها تحذير. يلا يا إيمي، اضحكي عشان العيلة، همس. إنتي بتبوظي أي لمة بوشك الحزين ده. بلعت ريقي بصعوبة، طعم الدخان وحاجة معدنية ممكن تكون الخوف كانت في بوقي.
لما زقني أول مرة، كانت زقة خفيفة، إهانة أكتر من إنها وجع، بيفكرني بالطبقية اللي هو مصدق إننا عايشين فيها. ثبتّ نفسي وبصيت على سلسلة الجبال اللي ورا السور، وكنت بتمنى أختفي جواها. بس الزقة التانية جت سريعة، وعنيفة، وقوية لدرجة إنها طيرت الهوا من صدري. ضهري خبط في الحرف المولع بتاع الشواية، والمعدن طبع حرارته من خلال الهدوم لجلدي. صوت التشة كان خفيف بس ميتوهش، ووجع أبيض خاطف ضرب في عمودي الفقري.
مصرختش. مقدرتش. للحظة، كل الأصوات اختفت ما عدا صوت دهن اللحمة وهو بيخبط في المعدن ودقات قلبي المكسرة. الدنيا مالت بيا في قوس بطيء ودايخ وأنا بزق نفسي لقدام، وببعد ضهري عن الحرارة اللي بتكوي. شهقات الخضة لفت الجنينة، بس محدش وقف بينا. ولا ابن عم، ولا خال، ولا حتى أمي، اللي كانت حاضنة بولة في صدرها كأنها درع.
أخيرًا جريت ناحيتي، بس مكنش
في أي قلق مرسوم على وشها. بدل كده، صرخت بالكلمات اللي كانت بتطاردني في طفولتي زي ضل مش راضي يسيبني بطلي تستفزي أخوكي. شوفي خليتيه يعمل إيه. صوتها كان بيشرخ وبيترعش كأنها هي ضحية مأساة أنا اللي خططت لها. بصيت لها، مذهولة من سرعتها في تأليف المشهد جوة دماغها، وتحويلها لوجعي لعذر ليه. كونور ابتسم بانتصار، متأكد إن اللحظة دي هتخلص زي كل مواجهة قبلها.. بسكوتي.
بس في حاجة جوايا انكسرت بنهاية هادية حسيتها ناعمة، زي تكة قفل بيقفل في مكانه. اتعدلت، وتجاهلت الوجع اللي بيمزع في ضهري، وبصيت في عين كونور مباشرة لأول مرة من سنين من غير ما أرمش. ابتسامته اتهزت يادوب لدرجة خلتني أشوف الولد اللي كان عليه زمان، مدفون تحت الراجل اللي اختار يكونه. الجنينة كانت بتلف بالهمسات والأحكام والرجلين اللي بتتحرك بقلق. أدركت في لحظة السكوت دي إني لو منقذتش نفسي دلوقتي، هقضي بقية عمري بخلي اللحظة دي تتعاد بأشكال مختلفة للأبد.
محبوسة في دايرة حد تاني رسمها. الجبال كانت باينة ورا السور، ثابتة ومش متأثرة بالدوشة اللي بتحصل تحتها. حسيت بحاجة بتعكس الثبات ده جوايا، قرار هادي لا بيحرق ولا بيزعق، بس استقر كأنه أرض بتتكون تحت رجلي. أنا عشت بنجو منه لمدة 27 سنة. مش
هعيش 27
تم نسخ الرابط