وانا حامل
مكتب أبوه.
الاكتشاف ده كان أهم من الفلوس نفسها، لأنه ورى "السيطرة" بوضوح لدرجة إن القرايب اللي شكوا في كدماتي مبقوش قادرين يشكوا في باسبور محبوس وفلوس مسروقة. خلال أيام، الكل اختار جانب. ناس في هدوء، وناس بصوت عالي، وناس بجبن يكسر القلب، وناس بشجاعة غير متوقعة من ناس مكنتش أعرفهم قوي. واتعلمت حقيقة تانية صعبة: الدعم مش دايماً بييجي من اللي المفروض يديه، والغدر مش دايماً بييجي من الغُرب.
أمي عيطت لما عرفت كل حاجة. مش عياط بتوع "المتاجرة بالذنب"، عياط صدمة لواحدة اكتشفت إن بنتها تاهت جوه الوجع من غير ما تطلب مساعدة بوضوح. همست: "كنت فاكراكي تعبانة.. كنت فاكرة الجواز هد حيلك، مكنتش أتخيل..." ولا أنا، في يوم من الأيام. مفيش حد بيدخل حياة وهو متخيل اللحظة اللي هيبقى فيها اتهامك بالكدب وإنتي حامل وواقعة في مطبخ بيبقى "صبح عادي"
عدت أسابيع.. الكدمات غيرت لونها، والورم نزل. نمت وحش، وبعدين أحسن، وبعدين وحش تاني. الشفاء ده "حيوان مبهدل". الإجراءات القانونية فضلت وحشة، أهله وصفوني "بغير متزنة" في الورق، وده ساعد قضيتنا أصلاً. هو أنكر العصاية لحد ما فيديو أخته "خانه". أيوه، كانت مصورة كفاية. مش أول ضربة، بس اللي حصل بعدها، صوته، ضحكة أمه، وتوسلي له "بلاش بطني". أكتر من كفاية.
لما المحامية شغلت المقطع ده قدامي، كنت فاكرة إني هنهار من سماع صوتي وهو طالع صغير كدة. بس بدلها حسيت بحاجة أبرد وأقوى: "اعتراف" من غير خيانة لنفسي. دي كانت أنا.. مش مجنونة، ولا دراما، ولا بتخيل. كنت بس محبوسة، ودلوقتي متوثقة.
أصعب يوم جه متأخر، مش بدري. جلسة تسوية محاميه اقترح فيها تنازلات لو وافقت أتجنب "الادعاءات العلنية" عشان خاطر العيل. أهو تاني.. الصفقة القديمة، متلمعة بلغة قانونية:
قعدت قدامهم وفهمت الاختيار الأخير بوضوح أخيراً. مكنش بين الغضب والسماح، كان بين "الحقيقة" ونسخة "الأمان" المبنية على سكوتي المستمر. السكوت عمره ما أمنني، هو بس كان مريحهم. فقلت "لا".
مش بصوت عالي، ولا بانتصار. بنفس الطريقة اللي قلت بيها "أيوه" للمسعف، ومضيت في المستشفى، وطلبت من الأخصائية كل حاجة. لا "لتصغير" المواضيع، لا "لإعادة ترتيب الواقع" عشان راحة الرجالة، ولا لتسمية الرعب "سوء تفاهم" عشان الناس اللي لابسة هدوم نضيفة بتفضل الحكايات الناعمة.
الـ "لا" دي غيرت حياتي أكتر ما الجواز غيرها. لأن الجواز طلب مني أختفي بالتدريج، بس الحقيقة طلبت مني أفضل "واضحة"، حتى لو الوضوح ده تمنه غالي.
بعد شهور، لما ابني اتولد، مسكت الجسم الصغير ده في حضني ومفكرتش في "البطولة"
لسه فاكرة المطبخ، الموبايل المكسور، ريحة الزيت، العصاية في إيده، الضحك، والرسالة اللي وصلت كأنها خيط رفيع مرمي في ضلمة. بس لما بفتكر الصبح ده دلوقتي، بطلت أفكر في الضربات، وبفكر أكتر في الجملة اللي جت بعدها، اللي جاوبت عليها بصدق أخيراً.
"فيه حد هنا آذاكي؟"
"أيوه."
دي كانت اللحظة. مش لما ضربني، ولا لما أخويا جه، ولا لما البوليس دخل. البداية الحقيقية كانت لما بطلت أحمي "الكدبة". لأن الحقيقة منقذتنيش في ثانية، دي كلفتني نوم، وراحة، وعلاقات أهل، وأوهام، وكل تبرير سهل كنت بستخدمه عشان أعيش. بس هي أدت لابني حاجة أحسن من "بيت هادي"، أديتنا حياة مبيفطرش فيها "الخوف" أول واحد. ولأول مرة من سنين، ده كان كفاية عشان يتسمى