وانا حامل
في ثانية إن المنظر مش طبيعي. "يا مدام، ممكن تقولي لي اسمك؟" المسعف الشاب ركع جنبي، وزميله بدأ يجهز الأجهزة وعينه على بطني بقلق مهني.
جاوبت بالعافية. وبعدين جه السؤال اللي كنت خايفة منه: "فيه حد هنا آذاكي؟"
جوزي رد قبل ما أنطق: "اتزحلقت.. دوخة حمل. هي مكسوفة وعاملة منها فيلم هندي." المسعف رفع إيده من غير ما يبص له: "أنا بسألها هي."
المطبخ سكت تاني. طول الصبح الناس كانت بتتكلم بدالي، وعشاني، وعني، وحولي. دلوقتي الأوضة كلها مستنية "بوقي" هيعمل إيه. وترددت. مش عشان مش عارفة الحقيقة، عشان عارفة إن الحقيقة تقيلة، ومش هتقف بمجرد ما تتقال.
لو قلت "أيوه"، كل حاجة هتبدأ. محاضر، بلاغات، شهادات. جوازي هينتهي في العلن مش بس في قلبي. عيل هيتولد في مشاكل قبل ما ياخد أول نفس. لو قلت "لا"، حاجة تانية هتبدأ. مش سلام، عمره ما كان سلام. مجرد استمرار.. قسوة أهدى شوية، مخفية أكتر، بس أوحش، لأنهم دلوقتي عرفوا إنهم كسروني.
المسعف بص لي بثبات.. مش بزهق ولا بشفقة، ثبات الناس اللي شافت ستات كتير واقفين على حافة جملة واحدة. حماتي قالت بصوت واطي من وراه: "فكري كويس يا حبيبتي.. الزعل وحش عشان البيبي. مش عايزة غُرب يتدخلوا بينا. العائلات بتعدي سوء التفاهم ده بالكرامة."
"الكرامة".. الكلمة خنقتني. مكنش فيه كرامة في الكدمات اللي تحت الروب اللي مكنتش مختاراه، ولا في البلاط اللي كنت مأمورة أمسحه. أخويا قرب بس منطقش، عارف إن الحتة دي لازم أعملها بنفسي.
افتكرت
المسعف كرر تاني بهدوء: "فيه حد هنا آذاكي؟"
وأخيراً قلت: "أيوه."
مفيش رعد حصل، ولا البيت انهار. مجرد كلمة من حرفين، صغيرة وعادية، بس حسيت إن كل "جدران السكوت" اللي بانيها اتشرخت. جوزي شتم، حماتي شهقت بتمثيل، وحمايا بدأ يتكلم عن الكدب والهستيريا وشرف العيلة والستات اللي بتتبلى والناكرات للجميل.
المسعفين مدخلوش في نقاش، بدأوا شغلهم. ضغط الدم.. أسئلة.. إيد حنينة.. ونقالة قربت رغم إني قلت قادرة أقف. وبعدين دخل البوليس. ظابط وظابطة، شايلين على وشهم التعب والتركيز بتاع ناس دخلوا مطابخ كتير زي دي.
الظابطة شافت رجلي ووشي ووقفت كتابة ثانية واحدة.. وفي الثانية دي قريت في عينها إنها "عارفة"، وحسيت براحة إني أخيراً "مفهومة". طلبت من الكل يرجع لورا. جوزي رفض، أخويا مستناش الظابطة تكرر كلامها، وقف بجسمه بيننا وبينهم.
قعدوني على كرسي.. حد لف بطانية حول ركبي.. حد سأل عن المغص، الدوخة، حركة الجنين، حوادث قديمة، أدوية، حساسية. الأسئلة كانت كتير، وجاوبت باللي أقدر عليه. أحياناً بكلام، وأحياناً بهزة رأس، وأحياناً بسكوت بيحكي حكايته.
الظابطة سألت: "حصل كدة قبل كدة؟"
أدي باب تاني.. جملة تانية كفيلة تغير كل حاجة، مش بس للنهاردة، بس لكل نسخة حياتي
جوزي كان لسه بيزعق في الصالة: "بتبالغ! دايماً بتقلب الحقايق. اسألوها هي بتستفزنا ليه؟ اسألوها بتقول إيه لما ميبقاش حد سامع." كنت عارفة خطته، هو مش محتاج يثبت إني كدابة، هو بس محتاج "يعكر المية" لدرجة تخلي الحقيقة مجهدة للي بيدور وراها.
الظابطة كانت مستنية. بصيت لإيديا.. للجلد المقطوع عند عقلة صباعي من كتر الزحف على البلاط.. للرعشة اللي مش عارفة أوقفها.. لبقعة الزيت اللي على كمي.
وبدأت.. مش بدراما، حكيت زي ما الستات بتحكي الحاجات المرعبة لما تنطق أخيراً: باعتذار، وبترتيب عملي، كأني برص لستة طلبات من السوبر ماركت.
الزعاق.. العزلة.. الفلوس اللي في إيد أمه "عشان مصاريف البيت".. المكالمات اللي بتتفتش.. الإهانات.. سد البيبان.. التهديدات بالحضانة. المرات اللي مسك فيها معصم إيدي.. الليلة اللي حدف فيها طبق جنب رأسي.. الأسبوع اللي حماتي حبست فيه أوراقي في درج وقالت "عشان نحافظ عليها".
أخته وهي بتصورني وأنا بعيط. أبوه وهو عامل نفسه مش سامع. التعديل المستمر لطريقة وقفتي، وأكلي، وقعدتي، ونومي، وطريقة تطبيقي للهدوم، وكلامي، ونفسي. والصبح ده.. العصاية.. الأرض.. الرسالة.. والرد.
لما خلصت، مفيش حد في الأوضة كان شكله متفاجئ غيري. كنت فاكرة إن العالم هينكر اللي قلته. بس الظابطة هزت رأسها مرة واحدة، مش لأن حكايتي عادية، بس لأنها
جوزي بدأ ينكر بصوت أعلى، وأمه بدأت تحكي تفاصيل محدش سألها عنها، وأبوه حلف إن ده انتقام عشان "إهانة وهمية" من أسابيع فاتوا. الظابطة لفت لأخته: "كنتي بتصوري؟" البنت اتجمدت، ولأول مرة وشها ميبقاش فيه نظرة المتفرج الشمتان، وبان على حقيقته: وش بنت صغيرة، خايفة، ومقفوشة.
"أنا بس.. أحياناً بتبقى مجنونة،" برطمت. الظابطة كررت: "صورتي النهاردة؟" عينها راحت للموبايل، وده كان الرد الكافي. الظابطة مدت إيدها، وبعد ثانية كانت كأنها "حكم محكمة"، البنت سلمت الموبايل.
حماتي انفجرت: "متقدريش تاخدي حاجتها الخاصة! ده تحرش! إحنا ناس محترمين!" الظابط التاني تدخل، وصبره كان خلص: "يا مدام، ارجعي لورا وإلا هطلعك بره الحوار ده خالص."
أخويا بص لي وقال بوضوح: "خليكي معايا." ركزت في صوته والمسعف بيكشف على بطني. كان فيه وجع، وكدمة في جنبي، وورم بدأ يبان في رجلي، وقلق كفاية يخليهم ينقلوني حالاً. شالوني على النقالة رغم إن كبريائي خلاني أعوز أرفض. اتعلمت وقتها إن قبول المساعدة مش ضعف لما يبقى جسمك دفع تمن كبريائك كتير.
وأنا خارجة، شوفت مراية الصالة. خيالي بان فيها.. شعري متبهدل، وشي باهت، الجاكت واقع من على كتف، وبطني مدورة تحت هدوم مش بتاعتي. مكنتش عارفة نفسي، مش عشان شكلي "متدمر"، عشان شكلي أخيراً "واضح". كأني مبقتش مجرد خيال في تعريفات الناس التانية.
بره، الصبح كان طلع تماماً. الجيران واقفين ورا الستائر،