وانا حامل
الجو كان ريحته عادية ومنعشة، "عادية" لدرجة تقرف مقارنة بالمطبخ اللي كنت فيه. جوزي خرج ورايا لحد ما البوليس وقفه، كان بيزعق إني بمرمط شرفه، وبدمر مستقبل ابني، وبفضحه بسبب "سوء تفاهم".
صدقته لثانية واحدة مرعبة.. دي قسوة تانية من قسوة العنف: حتى وإنتي بتهربي منه، لسه بتسمعي "لغته" جوه دماغك. بس بصيت للباب المكسور.. لأخويا اللي واقف جنب الإسعاف.. للظابطة اللي بتتكلم في اللاسلكي.. لعجل النقالة تحتي. لا.. أنا مكنتش بدمر حاجة تستحق إنها تعيش.
في المستشفى، كل حاجة بقت منورة وبطيئة. ورق.. أشعة.. أجهزة.. أسئلة بتتكرر من وجوه جديدة. نبض الميكانيكا الهادي بتاع مكان مبني على "الاستمرارية الهشة". كشفوا على البيبي الأول.. الانتظار ده كان أطول من الصبح كله. كنت باصة للسقف وبوعد أي حاجة وكل حاجة ممكن تسمعني.
لما سمعت النبض أخيراً، قوي وعنيد من الجهاز، عيطت من غير أي "بريستيج". مش دموع حلوة ولا هادية، الدموع اللي بتخليكي فاضية من جوه. الدكتور قال إن فيه إجهاد وكدمات ومخاطر، بس حالياً البيبي بخير. "بخير".. كلمة بسيطة، بس رجعت الروح لجسمي.
أخويا قعد جنبي ومطقش بكلمة. عارف إن الطبطبة اللي بتيجي بدري بزيادة بتبان كأنها "ضغط" عشان تخفي وتنسي قبل ما تفهمي أصلاً إيه اللي اتكسر فيكي. لما اتكلم أخيراً سألني: "قلتي لأمي حاجة؟"
غمضت عيني، أمنا كانت تعبانة وشايلة كفاية، وجزء مني كان لسه بيحاول يحمي الكل من "حقيقة حياتي". قلت: "لا.. مش دلوقتي." هز رأسه: "هتسمع مننا، مش من البوليس. بس لازم تقرري دلوقتي هتعملي إيه بعد كدة."
أدي نقطة التحول الحقيقية. مكنتش الإسعاف، ولا البوليس، ولا حتى كلمة "أيوه" في المطبخ. كانت السرير ده. الأوضة الهادية دي.
بلاغ ولا مفيش؟ محضر عدم تعرض ولا انفصال هادي؟ شهادة النهاردة ولا بعدين؟ ملجأ ولا شقة أليكسي؟ الحقيقة كاملة ولا حتة منها مغلفة بكلام ألطف؟ كل اختيار له تمن. ده اللي الناس مبتقولوش كفاية: الخروج مبيفتحش باب نضيف، بيفتح عشر بيبان صعبة وبيطلب منك تمشي فيهم وخلاص.
أخويا قرب مني: "لو وقفتي دلوقتي، هما اللي هيحكوا روايتهم الأول. هيقولوا إنك مش متزنة، وإن الحمل هو اللي خلاكي دراما. إنتي عارفة كدة." كنت عارفة. أمه هتعيط، أبوه هيتكلم عن سمعة العيلة، وجوزي هيبقى حنين قدام الناس كله ندم وقلق. وفيه ناس هتصدقهم. مش لأن حكايتهم أقوى، بس لأن المجتمع لسه بيستسهل يصدق "وحوش مهندمة" عن "ضحايا مبهدلين".
الدكتورة رجعت بتقرير المتابعة، وبعدها دخلت أخصائية اجتماعية شايلة فايل أتقل من إنه يكون بتاع حياة هادية. اتكلمت بهدوء وعملية: سكن طوارئ لو محتاجة، مساعدة قانونية، توثيق، متابعة حمل، جلسات نفسية، خطة أمان.. الهندسة العملية لإعادة بناء حياتك بعد الرعب.
كنت هقول إني مش محتاجة حاجة من دي.. "فعل منعكس" تاني، نفس التدريب القديم إني مخدش مساحة، متعبش حد، وأعيش باللي يتبقى. بس بدلها، طلبت كل حاجة. الأخصائية مكنش ليها رد فعل، بس ملامحها لانت شوية. يمكن كانت عارفة الجملة دي برضه: اللحظة اللي الست بتبطل فيها "تفاصل" مع الانهيار وبتبدأ تجمع أدواتها.
وبعدين جه جزء صعب تاني.. الظابطة رجعت عشان "محضر رسمي"، وسألتني لو عايزة أضيف "التاريخ" مش بس اعتداء النهاردة. ريقي نشف.. التاريخ معناه أدلة، أيوه، بس معناه كمان اعتراف بقد إيه أنا سكت. كام تحذير ترجمته لـ "أمل".
الكسوف طلع
بصيت لها وقتها.. بصيت بجد. عين تعبانة، جزمة عملية، وصوت مبني من سنين من قول الجمل اللي الناس محتاجاها بس مش مصدقاها. وفي اللحظة دي اخترت. مش ببطولة، اخترت لأني كنت تعبانة لدرجة إني مش قادرة أكدب كدب حلو. قلت: "عايزة كل حاجة تتكتب."
وبدأنا من تاني. تواريخ باللي أقدر أفتكره، شهور تقريبية باللي مكنتش فاكراه. أسامي، تهديدات، شهود، فلوس اتسحبت، أوراق اتحبست، إهانات اتصورت. الظابطة بتكتب، وأخويا بيزود اللي يعرفه، والأخصائية بتسجل موارد، والدكتورة بتضيف نتائج كشف. حتة حتة، كابوسي الخاص بقى "سجل عام".
على العصر، أخبار البيت بدأت توصل للقرايب. المكالمات بدأت تنهال على موبايل أخويا لأن موبايلي كان تدمر وجوزي مبقاش له طريق ليا. ناس بتترجى نهدا، ناس بتنصح نفكر في البيبي، ناس بتقول العائلات بتقول كلام وحش وقت العصبية، ناس بتحذر إن المحاكم صعبة والفضيحة بتمس العيال. حتى فيه خالة قالت: "الراجل بيجيله بانيك قبل ما يبقى أب، متبوظيش مستقبل كامل عشان صبح واحد وحش."
"صبح واحد وحش".. كأن الصبح بييجي من فراغ. كأن العنف ملوش سلم، ملوش بروفة، ملوش تراكم من الإهانات الصغيرة اللي بنعديها. سمعت كفاية من الرسايل دي عشان أفهم حاجة بتوجع: الخروج من العنف مش بس بيفصلك عن اللي ببيأذيكي، ده بيعيد ترتيب خريطتك لكل الناس التانية.
على المغرب، جوزي بعت رسالة عن طريق قريب لينا. مش اعتذار، ولا قلق، ده كان "عرض": لو رجعت
أخويا سألني: "عايزاني أرد؟" قلت: "لا.. ردي هيبقى إني مش راجعة." الجملة دي خوفتني أكتر من أي إجراء قانوني، لأن قولها خلى الرجوع مستحيل مش بس في الإجراءات، في "نفسي". مبقتش أقدر أمثل إننا بس "واخدين بريك".
بالليل، لما الأوضة ضلمت وأخويا نام بتعب على الكرسي، فضلت صاحية أسمع أصوات المستشفى ولمست بطني.. البيبي كان هادي. همست: "أنا آسفة." مش لأني قلت الحقيقة، لأني استنيت كتير كدة عشان أخلينا إحنا الاثنين في أمان. لأن الأمهات بيتعلموا يعتذروا حتى وهما "بينقذوا".
البيبي اتحرك مرة واحدة، حركة صغيرة ومؤكدة. أخدتها كأنها رد، يمكن هي مجرد بيولوجيا، بس في اللحظة دي، البيولوجيا نفسها كانت "مقدسة" كفاية.
الصبح التاني جه باختيار تاني. وكيل نيابة كان عايز يعرف لو هشهِد لو القضية مشيت بسرعة، خصوصاً مع الفيديو والأدلة الطبية. تاني، الخوف جه لابس لبس "العملية": ضغط المحكمة، أسئلة علنية، تقطيع في الشخصية، محامي هيجرجر رسايلي، وموداتي، وحملي، وحزني الخاص في أوض مفتوحة. بس اتخيلت ابني يوم من الأيام بيسألني: "كنتي عارفة إنه غلط؟ ولو كنتي عارفة، عملتي إيه لما جتلك الفرصة؟"
مضيت.. إيدي كانت بتترعش، بس مضيت.
بعد كدة، الأحداث مشيت سواء كانت أعصابي جاهزة ولا لا. محضر عدم تعرض، سكن مؤقت في شقة أليكسي، استلام أوراقي تحت إشراف البوليس، متابعة طبية. لما الظباط راحوا يجيبوا حاجتي، لقوا أكتر من مجرد هدوم: فيديوهات أخته، باسبوري المستخبي في ضلفة مطبخ، وفلوس كانت أمي