وانا حامل

لمحة نيوز

لثانية واحدة غريبة، مفيش حد اتمِحرك من مكانه. مش عشان فارق معاهم اللي حصل لي، لا، عشان الصوت الضعيف اللي طلع من الموبايل المكسور ده غيّر "نفس" المطبخ كله.
جوزي نزل العصاية شوية. أمه بطلت ضحك. وأخته أخيراً سابت موبايليها، وحتى أبوه لف رأسه وبص على حتة الإزاز المنورة في الأرض. أنا كمان شوفتها.. إشعار على الشاشة المشروخة، الإزاز كان قاسمها نصين بس كانت تتقري كفاية لدرجة إن قلبي قبضني: "أنا جاي حالا.. متفتحوش الباب."
أخويا فهم. مفيش أسئلة، مفيش حيرة، ولا تأخير ذوقي. مجرد حركة.. ويقين.. نوع الرد اللي بتبعه لما تبقى عارف إن فيه مصيبة حصلت.
جوزي وطى الأول، خد حتة الموبايل المكسورة وقرأ الرسالة، ولأول مرة الصبح ده، الثقة والغرور اللي في وشه اتهزوا. حماتي زعقت: "بعتي لمين؟" رغم إنها كانت عارفة. الناس اللي زي دول لما الخوف بيدخلهم بيبقوا أعلى، وأشر، وأقسى.
مردش عليها.. شدني من دراعي ووقفني بعنف لدرجة إن الأوضة لفت بيا تاني، والوجع حرق جنبي كأنه سيخ نار. فحيح في ودني: "قومي.. هنطلع فوق حالاً، ولما أخوكي ييجي تقولي إنك اتزحلقتي.. فاهمة؟"
كنت بالعافية واقفة، رجلي بتترعش مكان العصاية، وحمل بطني مخلي النفس طالع ونازل بالعافية. همست: "مش قادرة." ضوافر صوابعه غرزت في جلدي أكتر: "هتقدري وهتعملي كدة.. عشان لو بوظتي البيت ده بسبب رسالة غبية، هتندمي طول عمرك."
الجملة دي كانت هتخليني أضحك.. بيت إيه اللي هبوظه؟ اللي واقفين قدامي بالارواب والشباشب دول مكنوش بيت، دول كانوا "عصابة".
أمه قربت مني وسوت شعري بحنية مقرفة.. الحنية النسواني المزيفة اللي مش غرضها الطبطبة، غرضها تجهيز "الكدبة". قالت بصوت واطي: "اسمعيني كويس.. لو الدكاترة شافوا الكدمات، هنقول إنك عصبية ومش متزنة وبتقعي كتير وبتمثلي.. الستات الحوامل بيجيلهم

هستيريا وكل الناس عارفة كدة."
كانت بتتكلم ببرود وعملية.. مفيش رعب ولا كسوف، كأنها كانت مجهزة السيناريو ده في دماغها من زمان. حمايا أخيراً قام من على الترابيرة، بص للبيض اللي مستواش وللمطبخ المبهدل بضيق، كأن كل ده إهانة لشخصه. برطم وهو ماشي: "خلصوا الموضوع ده قبل ما الجيران يسمعوا." ده كان رده على حياتي اللي بتنهار: مش رعب ولا إنقاذ، مجرد قلق من "الفضيحة".
وفجأة.. خبط على الباب. مش خبطة ذوق ولا تردد.. تلات رزعات هزوا البيت كله، كأنها ساعة بتعلن نهاية كل حاجة. الكل اتسمر مكانه. أخته كانت أول واحدة تترعب: "ده جه!" قالتها كأنها متفاجئة إن أخويا "كسر القواعد" ورد على الرسالة.
جوزي جرني لورا ناحية السلم، كان نفسه عالي والخوف خلاه غشيم. ساب العصاية بس إيده كانت أوحش. الخبط اتكرر وصوت أخويا كان مالي الشارع، قوة مسمعتهاش منه من يوم جنازة أبونا: "افتحوا الباب!"
رجلي خانتني، مش من الضعف المرة دي، من الراحة اللي مش قادرة أشيلها لما سمعت صوت بني آدم واحد في البيت ده مش ضدي. جوزي قرب من ودني لآخر مرة: "لو نطقتي كلمة واحدة ضدي، أحلف لك إنك مش هتشوفي العيل ده إلا بحكم قاضي."
التهديد جه في المكان اللي هو عايزه.. مش في جسمي، في مستقبلي.. في أضعف حتة جوايا لسه الخوف بيحركها. كان بيستخدم الخوف ده دايماً.. مش بس بالزعق، بالساعات اللي كان بيقعد يكلمني فيها عن حضانة العيل، والأمهات اللي مش متزنين، وإن مفيش حد بيصدق ست من غير دليل.
بس هو نسي حاجة.. الدليل بدأ يتجمع من الصبح، حتى قبل ما أعرف إني هعيش عشان أستخدمه.
رزعة تانية أقوى.. وبعدين أخويا مبقاش بيخبط. نده اسمي مرة واحدة، وسمعت حاجة تقيلة رزعت في الباب من بره. حماتي لفت لابنها وزعقت: "اعمل حاجة!" بس الأمر طلع ضعيف المرة دي. سابني وجري على الصالة، وقعت أنا وسندت
على السلم وأنا ماسكة بطني، وبجبر نفسي مأقعش.
الصوت اللي جه بعد كدة كان صوت خشب بيتكسر.. وبعدين خطوات.. وصوت أخويا بقى جوه البيت، حاد، مبيستأذنش من حد: "فين أختي؟"
أنا هفضل فاكرة السكوت اللي جه بعد السؤال ده طول عمري. مفيش حد رد فوراً، وفي السكوت ده، "الجريمة" بقت واضحة. أخويا ظهر في باب المطبخ بعد ثانية.. طويل، لابس جاكت السواقة الغامق بتاعه، عينه لفت في الأوضة وفهمت كل حاجة.
شاف الموبايل المكسور.. الطاسة.. رجلي.. والعلامات اللي بدأت تزرق على دراعي.. وبعدين وشي. شوفت حاجة جواه بتتحول لهدوء مرعب. مزعقش، وده اللي رعب جوزي أكتر من أي حاجة. أليكسي بص له بصه واحدة، خلت البيت كله يفقد "هيبته" المزيفة.
وصلي في تلات خطوات. إيده كانت حنينة بزيادة، كأنه مش بيلمس جسمي، كأنه بيلمس حقيقة إني لسه موجودة. سألني بهدوء: "فيه نزيف؟" هزيت رأسي: "مش تحت.. وقعت، وضربني في رجلي. حاسة إن البيبي اتحرك.. مش عارفة ده صح ولا غلط."
فك جاكته ولفه على كتافي رغم إني مكنتش بردانة، بس هو عارف إن الصدمة بتخلي الواحد مش حاسس بجسمه. جوزي بدأ يجمع صوته: "هي اتزحلقت.. هي دراما طول الصبح وإنت عارف حالتها.. إنت جيت كسرت بابي على سوء تفاهم."
أخويا حتى مبصش في وشه. طلع موبايله، اتصل بالإسعاف وأداهم العنوان وقال بوضوح: "واحدة حامل اتعرضت للاعتداء. احتمال فيه إصابات داخلية. وابعتوا البوليس كمان."
دي كانت أول شرخ حقيقي في حيطتهم. مش عشان المساعدة جاية، عشان هو سماها باسمها: "اعتداء". مش مشكلة عائلية، مش خناقة، مش سوء تفاهم خاص. حماتي انفجرت: "إزاي تتجرأ تقول كدة في بيتنا؟ دي واحدة مش طبيعية، بتكدب وبتتبلى علينا. اسأل أي حد.. هي اللي بتستفز الناس وبعدين تعمل ضحية."
أخويا لف لها بالراحة: "واحدة حامل في السادس ومرمية على الأرض.. ملكيش حق
تتكلمي عن مين بيمثل ومين لا."
حمايا قرب وهو نافخ صدره: "مالكش حق تتهم ناس محترمة في بيتهم. خد أختك وامشي، وإحنا هنصفي مشاكلنا مع بعض."
رد أليكسي بكلمة واحدة: "لا."
الكلمة كانت أتقل من كل زعاقهم، لأنها جاية من حد مش محتاج رضاهم، ولا محتاج سقفهم، ولا محتاج يصدق روايتهم. وطى جنبي تاني: "هتقدرى تمشي لحد العربية، ولا أشيلك؟"
السؤال ده، ببساطته، كسرني. لأنه افترض حاجة كنت قربت أنساها: إن جسمي لسه ملكي، وإن الاختيار لسه في إيدي. قلت: "هحاول."
جوزي وقف سادد الباب: "محدش هياخد مراتي من هنا غير لما تهدى. هي عاطفية وبتقول كلام ملوش لازمة لما تعوز لفت نظر."
أخويا وقف ووشه في وشه: "لو لمستها تاني، الموضوع مش هيبقى إنقاذ.. هيبقى حاجة تانية خالص."
الكل كتم نفسه. حتى جوزي سمع "التهديد" اللي في الجملة. أليكسي مكنش بيوعد بدراما، كان بيوعد بعواقب. ومع كدة، لسه غريزتي الأولى مكنتش الثقة.. كانت "الحسابات". الحسابات البايخة اللي بيعلمها لك العنف: لو مشيت دلوقتي، إيه التمن اللي هدفعوا بعدين؟
لأن المشي مبيبقاش مجرد مشي. بيبقى ورق، ومكالمات، وشرح، وفلوس، وشهود، وكسوف، وأسئلة، وليالي من غير نوم، والخوف المرعب إن مفيش حد يصدقك كفاية. بصيت للسلم.. لأوضة النوم المقفولة فوق.. لترابيزة المطبخ.. لروب أمه.. للحياة اللي كنت بحاول "أصلحها".
وبعدين حسيت بالبيبي بيتحرك تاني.. مش ركلة، كأن العيل بيتقلب بيدور على مساحة بعيد عن الخوف.
الإسعاف وصلت قبل ما أرد. سراين بره.. بيبان بتترزع.. خطوات تقيلة.. أصوات مفيش حد في البيت ده يقدر يسيطر عليها ولا يسكتها. كل حاجة سرعت بعد كدة. مش في جسمي، جسمي كان لسه تقيل من الوجع، بس في العالم اللي حولي، الأسئلة الرسمية بدأت تحل محل الأوامر العائلية.
دخل اتنين مسعفين. واحد بص لي والتاني بص للأوضة.
الناس اللي عندها خبرة بيفهموا

تم نسخ الرابط