حسابات القلب
مرتب لها أنا عندي بيت ضيافة.
كل الوشوش بصت لك. أنت مكنش ينفع تقول كدة، أنت عارف إن الحلول اللي بالفلوس بتبقى معقدة وممكن تتفهم غلط. الموظفة وماريسول بصوا لك بشك.
صلحت كلامك بسرعة مش ترتيب خاص.. بورق رسمي، وتحت إشرافكم، ومتابعة طبية واجتماعية. مؤقت ومنظم.
الموظفة سألتك ليه؟.
قلت لها عشان البديل إنك تفرقيهم عن بعض وانتي بتمثلي إن ده إجراء روتيني.
ماريسول قالت بكرامة أنا مش هدي ولادي لغرباء.
بصيت لها وقلت وعندك حق.
هنا بدأت الثقة تتبني.. أنت مش جيت تاخد ولادها، ولا جيت تحل محلها. أنت جيت تحمي حقها إنها تفضل أم.
قلت لها بصراحة انتي متعرفينيش، ومينفعش تثقي فيا لمجرد إني دفعت فاتورة. بس بنتك أنقذت إخواتها امبارح، وانتي كنتي بتموتي. لو الحكومة خدتهم دلوقتي، عشان يرجعوا لبعض تاني هياخدوا شهور، ويمكن سنين. أنا عندي الإمكانيات إني أمنع ده. بورق رسمي، وبموافقتك، وتحت إشرافهم. أنا هعمل سور أمان حواليكم الكام أسبوع الجايين لحد ما تقومي بالسلامة.
ماريسول غمضت عينيها وقالت بصوت واطي أنا مش عاوزة صدقة.
قلت لها الحقيقة دي مش صدقة.. ده نجاة، وفيه فرق بين الاتنين.
بصت للشباك وهمست الناس دايماً بيبقوا عاوزين حاجة في المقابل.
قلت لها خلاص، اكتبي في الورق إيه اللي مسموح ليا أطلبه.
الموظفة استغربت.. الأغنياء مبيطلبوش إشراف عليهم عادةً. بس أنت كنت جاد. يمكن عشان إيميليا، يمكن عشان لوسيا. المهم، المحامين بدأوا يشتغلوا، والشؤون وافقت، وفريقك القانوني كان هيتجنن من القرار ده، بس أنت نفضت لهم.
بيت الضيافة كان ورا بيتك الأساسي، وليه مدخل خاص وجنينة ومطبخ وأوضتين. أنت كنت شاريه عشان الوسع، وعمره ما سكن فيه حد محتاج فعلاً.
في خلال تلات أيام، البيت اتغير. سراير أطفال، مستلزمات طبية، دولاب مليان لبس نضيف، تلاجة فيها كل اللي يحتاجوه، ممرضة بتيجي الصبح، ودكتور متاح طول الوقت. مكنش فيه منظرة، كانت مجرد كرامة مترتبة بالفلوس.
ماريسول كانت بتقاوم في الأول.. حتى وهي تعبانة كانت بتحاول تغسل المواعين وتعتذر على كل حاجة. الفقر علمها إن المكان اللي بتاخده لازم تدفع تمنه وجع.
لوسيا اتأقلمت أسرع.. الأطفال بيعرفوا يحسوا بالأمان لما بيلاقوه. كانت بتبص للسراير الطرية والتلاجة المليانة باستغراب كأنها معجزات
أنت بقيت بتشوفهم من بعيد، وبدأت تحس إن البيت ده مابقاش مجرد حيطان، بقى فيه روح.. روح أنت كنت محتاجها أكتر منهم.
التوأم بدأوا ياكلوا ويناموا ويعيطوا بقلب جامد، عياط الأطفال اللي لسه متعلموش يعني إيه حاجة ناقصة.
أنت فضلت تقنع نفسك إنك بس بتهدي الأوضاع، وبقيت تستخدم كلمات زي مؤقت، مسؤولية، نظام عشان تحمي نفسك من نظرات فريقك القانوني أو تريقة صحابك القدام إنك بقيت بتعمل مشروع توبة.
وفي يوم، بعد أسبوعين، رجعت البيت متأخر ولقيت لوسيا قاعدة على السلم الوراني لبيت الضيافة ومعاها كتاب المدرسة. الشمس كانت مغرقة الجنينة بلون دهبي، وصوت واحد من التوأم وهو بيناغي جوه خلى المكان صوته حي أكتر ما هو غالي.
لوسيا مخدتش بالها منك في الأول، كانت بتفكر في مسألة قسمة ومكشرة بتركيز رهيب. وقفت اتفرجت عليها شوية قبل ما تبص لك وتقول بأدب مساء الخير يا سنيور.
قلت لها ممكن تقولي أليخاندرو.
هزت راسها برفض مؤدب لا.
سألتها محتاجة مساعدة؟.
قعدت جنبها ببدلتك الغالية على السلم الحجر، وبدأت تشرح لبنت عندها تمان سنين القسمة المطولة كأنك بتشرح صفقة تجارية. ولما حلت مسألة صح، وشها كله نور.. مش فرحة بس، ده كان إدراك إنها شاطرة بس مكنش فيه حد بيدعمها.
سألتك فجأة أنت شاطر في الأرقام، طب ليه شكلك حزين دايماً؟.
السؤال صدمك.. الأطفال بيسألوا الأسئلة اللي الكبار بيدفعوا فلوس للدكاترة النفسيين عشان يهربوا منها. لوسيا سألتك ببساطة عينك مش بتضحك لما بتضحك.
كلامها كان دقيق زي المشرط. افتكرت صورك في المجلات واجتماعات الإدارة، وافتكرت أختك إيميليا وأمك، وإزاي بنيت حياتك ك رد فعل للحزن مش شفاء منه.
الأسابيع بقت شهر.. واتنين.
ماريسول بدأت تسترد صحتها، وبقت تطبخ وبدأت تشتغل خياطة أونلاين مع جمعية أنت كنت بتدعمها زمان عشان الضرايب ونسيتها، والقدر لعب لعبته. التوأم وزنهم زاد، ولوسيا رجعت المدرسة بجزمة متلمعة ولبس نضيف.
وأنت بقيت بتروح بيت الضيافة بحجج واهية.. مرة بتسأل عن الصيانة، مرة جايب كتب للوسيا، ومرة بشكل غريب جبت شجرة لمون في قصرية زرع لأن ماريسول قالت إن جدتها كانت بتزرعها.
ماريسول بصت للشجرة وبصت لك وقالت أنت متعرفش تساعد حد من غير ما تخلي الموضوع يبدو وكأنه صفقة دمج شركات، صح؟.
ضحكت
دي كانت البداية.. مش قصة حب، دي كانت صراحة بين اتنين مبهدلين من الحياة. ماريسول مكنتش بتنافقك ولا بتنبهر بفلوسك، وبدأت تحكي لها عن إيميليا وعن أبوك، وعن الجوع اللي خلاك تبني ثروتك بس سابك فاضي من جوه. وهي حكت لك عن أبو التوأم اللي سابها لما الحمل بقى غالي، وعن أبو لوسيا اللي اختفى من زمان، وعن إزاي المرض رفاهية الفقراء مبيقدروش يحددوا ميعادها.
قالت لك أصعب حاجة مش الجوع ولا المرض.. أصعب حاجة إن لوسيا بدأت تفكر ك أم قبل ما تتعلم تفكر ك طفلة.
في الشهر التالت، الصحافة شموا خبر. الصور نزلت في كل حتة الملياردير كاستيو مخبي عيلة فقيرة في قصره.. إحسان ولا فضيحة؟.
مجلس الإدارة اتجنن، والمحامين طلبوا بيان رسمي، وواحدة من علاقاتك القديمة طلعت في التلفزيون تلمح إن عندك عقدة المنقذ.
ماريسول أول ما عرفت، بدأت تلم لبس الأطفال وهي مرعوبة إحنا هنمشي قبل ما نسبب لك مشاكل أكتر.
قلت لها بحدة تمشي فين؟ أنتي فاكرة إن دي أول مرة صورتي تطلع في الجرائد؟ أنا اتهموني بكل حاجة تتخيليها.. خبر في صفحة فضايح مش هو اللي هيهدني. ومحدش فيكم هيخرج من هنا عشان شوية ناس بيحبوا القذارة.
وعملت اللي محدش توقعه.. عملت مؤتمر صحفي، بس مش عشان تدافع عن نفسك.
قلت للناس إن فيه طفلة اتأهنت وهي بتشحت لبن لإخواتها، وإن فيه أم كانت بتموت والناس بتضحك عليهم. وقلت إن الفضيحة الحقيقية هي المدينة اللي بتسمح إن التناقض ده يفضل موجود.
ونشرت فيديو السوبر ماركت.. لوسيا وهي راكعة، والناس بتضحك، والمدير وهو بيستهزئ بيها.
بحلول الليل، المدير اتطرد، والسوبر ماركت بقى تحت الرقابة، ومؤسستك الخيرية أعلنت عن مبادرة لدعم الأمهات اللي في حالات طارئة.
بعد ست شهور، لوسيا كانت واقفة على مسرح المدرسة بتاخد جائزة التفوق الدراسي.
أنت كنت قاعد ورا خالص زي ما طلبت منك.. بلاش قدام عشان شكلك بيبقى كأنك صاحب المكان. ماريسول كانت جنبك بفستان أخضر بسيط خيطته بنفسها، والتوأم عمالين يتنططوا على رجلك لحد ما المدرسة ادتهم ورق تلوين.
لما لوسيا شافتكم، ابتسمت نص ابتسامة سريعة قبل ما ترجع لرزانتها. في اللحظة دي، عينك دمعت، وماريسول خدت بالها وسكتت.. وده كان أجمل شيء عملته.
بعد الحفلة، لوسيا
قلت لها فعلاً.. وماتيو وتوماس بياكلوا كتير.
قالت لك بجدية وماتيو عض المدرسة بتاعته.
قلت لها عنده روح قيادية.
ماريسول ضحكت ضحكة خلت وشها كله ينور.
الحكاية مخلصتش باقتراح زواج
درامي بفرقة موسيقى، لأنكم عشتوا دراما كفاية.
كان يوم تلات عادي.. لوسيا بتعمل الواجب، التوأم نايمين، وماريسول بتقطع مانجو في المطبخ.
قمت وقفت وقلت لها أنا مش عاوزكم تمشوا لما الإجراءات الرسمية تخلص.
بصت لك وقالت ده مش طلب جواز على فكرة.
عارف.
كويس.. عشان لو طلبت بأسلوب تقرير ربع سنوي هحدفك بحاجة.
قلت لها أنا بحب الأولاد، وبحبك أنتي بطريقة مكنتش أتخيل إنها تحصل لواحد حذر زيي. أنا لسه بتعلم إزاي ميبقاش كل همي السيطرة على كل حاجة تهمنا، بس اللي أعرفه إني مش عاوز أبني نسخة تانية من الوحدة وأسميها نجاح.
ماريسول قالت بصوت واطي أنا خايفة أصحى يوم وأحس إن كل ده سلف ومسترد.
قربت منها وقلت لها مش سلف لو بنيناه سوا. الحاجة السلف ممكن تتاخد، بس الحاجة اللي بتتبني سوا لازم تتهد عشان تخلص.. وأنا مش ماشي.
دموعها نزلت وقالت أنت لسه فاشل في الرومانسية.
قلت لها بس أنا ممتاز في الاستمرار القانوني.
ضحكت من وسط دموعها، وده كان كفاية.
لما طلبتها رسمي بعدها بكام أسبوع، لوسيا هي اللي وافقت على الخاتم الأول مش بيلمع زيادة عن اللزوم، وده كويس.
الفرح كان صغير في الجنينة، لوسيا مشيت مع ماريسول لحد ما وصلتها لك، والتوأم اللي بقوا بيمشوا دلوقتي قعدوا في نص الورد وبدأوا ياكلوا شرايط الزينة.
دلوقتي، لما الناس بيحكوا حكاية السوبر ماركت، بيغلطوا في تفاصيل كتير، بيفكروا إنك أنت اللي أنقذت العيلة. بس الحقيقة هي إن بنت عندها تمان سنين دخلت سوبر ماركت غالي وهي حافية وعندها شجاعة أكبر من كل الكبار اللي كانوا واقفين. هي اللي شالت الوجع ده وطلعت بيه للنور، وأنت كل اللي عملته إنك رفضت تغمض عينك.
الدرس في النهاية.. إن أحياناً الشخص اللي بيغير حياتك مش هو اللي بيجي قوي عشان ينقذك، أحياناً بيكون هو الطفل اللي بيغرق ولسه عنده الشجاعة إنه يطلب لبن.
وأقدس حاجة ممكن تعملها.. هي إنك تلبي النداء ده، مش بالشفقة، ولا بالمنظرة، بس بإنك تفضل موجود.
أنت فضلت موجود، وهي نجت.. وبقيتوا عيلة متبنيتش
تمت