حسابات القلب
المحتويات
جايين.
سألتك هياخدوا ماما؟.
هياخدوها يعالجوها.
وشها كش الناس بيقولوا كدة وبعدين بياخدونا.
الجملة دي فضلت رنانة في ودنك. بصيت حواليك تاني، مكنش فيه لبن كفاية، فواتير كتير مش مدفوعة، صورة ست بتضحك وهي شايلة التوأم في وقت أحسن من ده. الفقر مكنش جديد عليك، أنت مولود قريب منه، وأبوك قضى حياته وهو بيحاول يهرب منه، وعلمك إن الإهانة هي نصيب الفاشلين. وبقيت غني لدرجة إنك نسيت إن الماضي لسه عنده دروس يعلمها لك.
وأدي أنت واقف في أوضة واحدة، شايل طفل غريب بيموت من الجوع، وبنت عندها تمان سنين بتفتح علبة لبن بسكينة تلمة وإيديها بتترعش من البرد.
سألتها اسمهم إيه؟.
قالت لك ماتيو اللي في حضنك و توماس اللي على الكنبة. ماتيو بيحمر لما بيعيط، بس توماس بيسكت.. والسكوت أوحش.
بصيت لتوماس فوراً.. كان عندها حق، السكوت أوحش فعلاً.
قبل ما تتحرك، نور عربية الإسعاف ضرب في الشباك المكسور، وصوت السرينة قطع صوت المطر. لوسيا اتخضت، حطيت ماتيو في حضنها وطلعت تفتح الباب.
المسعفين دخلوا ومعاهم حركة ونظام خلت الفوضى اللي في المكان تتراجع. واحد كشف على ماريسول، والتاني بدأ يسأل عن الأطفال بسرعة. لوسيا كانت بتحاول تجاوب على كل حاجة، وأنت بدأت ترتب التفاصيل ليهم.
الست مغمى عليها من يومين تقريباً، مفيش أكل، الأطفال مأكلوش، والبنت كانت لوحدها بتراعيهم.
المسعف بص لك أنت تقرب لهم؟.
قلت له لا. بس الكلمة طلعت مهزوزة.
شالوا ماريسول على النقالة.. لوسيا طلعت صوت أنت عمرك ما هتنساه في حياتك، صرخة خوف من غير كلام. لا لا لا يا ماما، أنا هنا! وجريت تمسك في النقالة.
المسعف طمنها إحنا بنساعدها يا حبيبتي.
البنت كانت هتنهار، نزلت لمستواها وقلت لها إنتي هتروحي معاها، وإخواتك كمان.
بصت لك وهي بتعيط طب
السؤال ده وجعك أكتر من أي حاجة تانية.. طب وأنا؟. سؤال بسيط، مش مترتب، بس هو أصدق سؤال في الأوضة. أنت سمعت أسئلة كتير من مستثمرين ومحامين، بس عمره ما كان بالبساطة دي.. ولا بالمنطق ده.
قلت لها وأنتي كمان.. أنتي كمان جاية معانا.
في المستشفى، ماريسول دخلت العناية فوراً، والتوأم بدأوا يتعالجوا من الجفاف وسوء التغذية. أنت وقعت أوراق مكنش ليك حق قانوني توقعها، بس فلوسك خلتهم يعتبروك تصريح مؤقت.
الموظفة سألتك أنت مين بالنسبة لهم؟.
كنت هتقول ولا حد.. بس قلت أنا الشخص اللي كان موجود.
لوسيا كانت قاعدة على كرسي بلاستيك، ومعاها علبتين اللبن كأنهم كنز، وبتبص لكل ممرضة برعب الطفل اللي فاهم إن الكبار هما اللي بيقرروا كل حاجة ومبيشرحوش أي حاجة.
جبت لها سندوتش وعصير.. بصت له كأنه هيختفي لو مدت إيدها بسرعة.
قلت لها كلي.
سألتك لو احتاجوني؟.
هتكوني موجودة.
أكلت بالراحة وبنظام كأن الأصول لسه تهمها حتى في الموقف ده. تليفونك عمال يتهز برسايل من المحامي بتاعك بيسألك عن اجتماع بكرة الصبح، عملته صامت.
الدكتور خرج بعد 43 دقيقة، وقال إن ماريسول عندها التهاب رئوي حاد وجفاف، وإنها محظوظة بمعنى إنها كانت بتموت. التوأم حالتهم بتتحسن، ولوسيا جسمانياً كويسة بس محتاجة رعاية وتغذية.
بعدها جت موظفة الشؤون الاجتماعية، وبدأت تسأل عن الأب، والقرايب، ومكان السكن، والشغل. ماريسول كانت بتنضف بيوت لما تقدر، الأب سابهم قبل ما التوأم يتولدوا، ومفيش حد يساعدهم.
وبعدين جت الكلمة اللي أي عيلة هشة بتخاف منها الإيداع.
إيداع مؤقت في دار رعاية طبعاً.. لحد ما نشوف الظروف. الأنظمة بتحب الكلمة دي، مؤقت، عشان تخلي الانتزاع شكله ألطف.
لوسيا فهمت، وقامت وقفت والبطانية وقعت من عليها لا! أنا هقعد
الناس في صالة الانتظار كلهم بصوا لها. أنت قمت وقفت وقلت للموظفة هي مش محتاجة تسمع الكلام ده في الطرقة.
الموظفة سألتك بحدة وحضرتك تطلع مين؟.
نسختك القديمة كانت هتقول أنا أليخاندرو كاستيو.. وتستنى الاسم يعمل مفعوله. بس النهاردة، قدام بنت بتترعش من الرعب، الاسم كان ملوش قيمة.
قلت لها أنا ولا حد مهم.. أنا بس واحد بيطلب منك متتكلميش عن تفرقة الإخوات قدام أختهم.
الموظفة سكتت.. ممرضة شوشرت في ودنها بكلام، يمكن عنك وعن نفوذك. المهم، الكلام اتنقل لمكتب جانبي.
لوسيا فضلت تعيط بصمت.. العياط اللي يوجع أكتر، من غير صوت. نزلت لمستواها تاني وقلت لها محدش هياخدك في أي حتة النهاردة.
قالت لك الناس بتكذب.
أيوة.
بصت في عينك.. الصراحة خضتها أكتر من الطمأنينة. هزيت راسك بيكذبوا كتير فعلاً.. بس أنا مش بكذب عليكي دلوقتي. النهاردة، أنتي هتفضلي في المستشفى، جنب مامتك، وجنب إخواتك.
سألتك أنت بتساعدنا ليه؟.
سؤال كان المفروض يكون سهل، بس هو فتح جواك جرح قديم. افتكرت أختك الصغيرة إيميليا وهي عندها تسع سنين، وهي مستنية قدام صيدلية وأبوك بيتخانق جوه على تمن الدواء. افتكرت الليلة اللي أبوك فضل فيها شغل على إنه يوديها لدكتور متخصص. وافتكرت إن مكنش فيه الأسبوع الجاي. الفلوس جت متأخر قوي.
أنت بنيت إمبراطورية عشان متبقاش بالعجز ده تاني، بس كل الأرقام في البنك مكنتش بترد على السؤال هتعمل إيه لما الإنقاذ اللي كنت محتاجه يجي بعد سنين من موت الشخص اللي كنت عاوز تنقذه؟
قلت لها بصوت واطي عشان فيه حد لازم يعمل كدة.
دي مكنتش الحقيقة كاملة، بس ده الجزء اللي كنت تقدر تنطقه.
أجرت ليهم أوضة خاصة في المستشفى عشان الخصوصية
الساعة 6 الصبح، المطر وقف، والشمس طلعت على المدينة. كان لازم تمشي، بس فضلت موجود.
لما ماريسول فاقت الساعة 9، وشافت لوسيا نايمة على الكرسي جنبها، مكنش في عينيها خزي، كان فيه رعب. حاولت تقوم وسألت بصوت مبحوح لوسيا.. الأطفال...
قلت لها بسرعة هما كويسين.
بصت لك باستغراب وخوف.. أنت مين؟.
وقفت بس بعيد عنها اسمي أليخاندرو كاستيو.. أنتي متعرفينيش، أنا كنت في السوبر ماركت امبارح، وبنتك راحت هناك تجيب لبن.
ماريسول غمضت عينيها، ووشها كان عليه كل المشاعر الصعبة إهانة، راحة، خوف، حب، فشل. ولما فتحت عينيها، كانت مليانة دموع. مكنش المفروض تضطر تعمل كدة.
فعلاً.
لوسيا صحيت وجريت في حضن أمها، والاتنين فضلوا يعيطوا، والتوأم بدأوا يصوصوا هما كمان. الممرضة دخلت وابتسمت وسابتهم في اللحظة الإنسانية دي.
أنت طلعت الطرقة.. وكان ممكن الحكاية تخلص هنا. الغني ينقذ العيلة، الفواتير تتدفع، والناس تروح بيتها مبسوطة ب عمل الخير. الرحمة من غير التزام حاجة سهلة.
بس الواقع أصعب من كدة بكثير.
الشؤون الاجتماعية قالت إن العيلة دي ملقهاش سكن مناسب، وماريسول مش هتقدر ترعى الأطفال وهي في الحالة دي. مفيش قرايب، مفيش شغل، مفيش سكن.. لازم الأطفال يروحوا دار رعاية مؤقتاً.
لوسيا بدأت تعيط تاني وماريسول كانت هتتجنن من الرعب.
أنت، الراجل اللي فاوض في صفقات عالمية من غير ما ضربات قلبه تزيد، حسيت إنك عاوز تهد الدنيا فوق دماغ أي حد بيقول كلام رسمي بارد.
سألت الموظفة إيه هو السكن المناسب في نظركم؟.
قالت لك بيئة آمنة، قرايب، ورق رسمي، رعاية صحية.
ماريسول قالت مفيش عيلة.. مفيش حد أمان.
أنت قلت الكلمة اللي مكنتش
متابعة القراءة