حسابات القلب
إنت مبقتش بتصدق في الصدف.. خلاص، مش بعد كل اللي اشتريته بفلوسك وكل اللي فلوسك فشلت إنها تنقذه. رجالة زيك بيتعلموا بدري إن العالم ممكن يتدير لو كنت منضبط كفاية، بارد كفاية، وغني كفاية. المشاكل بتتحول لأرقام، والفضايح لتسويات، والحزن لحاجة بتأجلها لحد ما البورصة تقفل.
دي الطريقة اللي بتعيش بيها وأنت على القمة، بس مش هي دي الطريقة اللي بتواجه بيها صوت طفل.
لما البنت الصغيرة دخلت سوق النجمة في ليلة مطيرة في المكسيك، لاحظتها لأنها مكنتش شبه المكان. كل الناس التانية كانوا بيتحركوا في المحل بثقة الناس اللي مكنتش بتعد القروش وإيديها مبلولة. كانوا لابسين جزم متلمعة وساعات غالية وريحتهم برفيوم غالي، ووشوشهم متمرنة إنها متبصش كتير على المعاناة إلا لو كانت في حفلة خيرية.
بس هي دخلت حافية.
الطين كان مالي رجليها، والمطر بينزل من فستانها الباهت وبيعمل بركة مية تحت رجليها على الأرض الرخام. شعرها كان مبلول ولازق على وشها، وإيديها كانت حاضنة علبتين لبن أطفال كأنها شايلة أكسجين مش لبن.
شفت تعبيرات وش الكاشير وهي بتتغير، وبعدين المدير، وبعدين الناس عملوا اللي دايماً بيعملوه لما القسوة بتاخد إذن بالظهور قربوا، واتفرجوا، وحكموا عليها، ومثلوا القرف كأن ده مش هيكلفهم حاجة.
والبنت اتكلمت.. قالت إنها هتدفع لما تكبر، قالت إن إخواتها الصغيرين جعانين، وقالت إن أمها مأمتش من السرير من يومين. الكلام ده كان كفاية إنه يسكت أي حد في المكان، بس للأسف، ده سلاهم وضحكوا عليها.
أنت شفت القبح ده كتير في اجتماعات الإدارة وخناقات الميراث، بس الموقف ده لمس فيك حتة حياتك الغالية نادراً ما بتلمسها. يمكن عشان ركعت ومن غير أي كرامة باقية تفاوض بيها،
عشان كدة دفعت.
مش عشان مستني تصفيق، ولا عشان أنت نبيل، ولا عشان فجأة بقيت رحيم. أنت دفعت لأن لو عدت ثانية كمان من غير ما حد يوقف الإهانة دي، فيه حاجة جواك كانت هتبقى أقسى وأحجر من اللي هي عليه فعلاً.
حطيت الفلوس، وقلت لهم محدش يلمسها، ولما بصت لك بعيون خايفة وأكبر من سنها، ادتها اللبن وقلت لها روحي بيتك.
الكل افتكر إنك مشيت، بس بعد عشر دقايق كنت سايق عربيتك بالراحة في المطر ومطفي الأنوار، وماشي ورا خيال البنت وهي بتجري في شوارع الناس الأغنياء ميرضوش يمشوا فيها حتى وهما قافلين شبابيك عربياتهم.
البنت كانت بتجري بسرعة رغم صغر سنها، كانت شايلة العلب تحت دراع وبتمسح المطر من عيونها بالدراع التاني. مرتين كانت هتقع، ومرة عربية رشقت مية طين على رجليها، بس مكنتش بتقف. الجوع كان مستنيها، والجوع مبيخليش حد يمشي براحة.
أنت كان لازم تروح بيتك.. أنت عندك شقة بنتهاوس في أرقى حتة، وعندك سواق ومساعدين بيديروا كل ساعة في يومك، ومشاكل قانونية محدش يعرفها. كان عندك صفقة دمج شركات لازم تخلص في خلال 48 ساعة، واجتماع فطار الساعة 8 الصبح مع رجالة بيقيسوا الإنسانية بالمكاسب. مكنش فيه أي سبب يخليك تمشي ورا بنت حافية في شارع غرقان مية.
بس العقل كان خسر القضية خلاص.
لما دخلت في حارة ضيقة عربيتك مش هتعرف تدخلها، ركنت ونزلت في المطر. المية غرقت كتافك في ثانية، وجزمتك الغالية غرزت في الطين وأنت ماشي جنب حيطان مليانة جرافيتي وأكياس زبالة مقطوعة.
في آخر الحارة كان فيه مبنى شكله مش مبني، ده شكله مهجور من رحمة ربنا. طوب أسمنتي وسقف
البنت زقت الباب بوسطها ودخلت، وأنت دخلت وراها بالراحة.
الريحة صدمتك الأول.. رطوبة، مية راكدة، أكل بايز، ريحة مرض. الريحة كانت تقيلة لدرجة إنك وقفت في مكانك ثانية عشان عينك تاخد على الضلمة. في ركن في الأوضة، كان فيه طفل بيعيط.. عياط ضعيف وناحل بتاع طفل اتعلم إن العياط مش دايماً بيجيب لبن.
وبعدين شفت السرير.. مجرد هيكل حديد ومرتبة هابطة وبطانية خفيفة جداً. عليه كانت نايمة ست بتيشرت مبهدل، دراعها واقع من على السرير، وجلدها عرقان رغم البرد. شفايفها كانت مشققة ونفسها ضيق وغير منتظم.
وجنب السرير، على كنبة قديمة ومقطعة، كان فيه طفلين توأم.. مش لسه مولودين، يمكن عندهم 8 أو 9 شهور. صغيرين قوي، وساكتين قوي بين كل صرخة والتانية. ببرونة كانت واقعة على الأرض جنبهم، لونها عكر لدرجة تحس إنها كانت مية وشوية بودرة لبن متبقيين.
البنت الصغيرة ركعت جنب السرير وهمست ماما.. ماما جبت اللبن، بصي.. بصي جبت اللبن أهو.
الست متململتش حتى.
أنت خطيت خطوة جوه الأوضة، والأرض الخشب نتش تحت رجلك.
البنت لفت وهي مرعوبة، ومسكت علبة اللبن بقوة كأن صوابعها الصغيرة هتتكسر. مسمعتكش وأنت داخل بسبب صوت المطر. عيونها كانت واسعة ومرعوبة، وفي اللحظة دي شفت في عينيها هي بتفكر في إيه.. فكرت إنك جيت تاخد منها اللبن، أو تبلغ البوليس، أو تجيب العالم اللي كان بيضحك عليها في المحل لحد هنا.
قالت بسرعة أبوس إيدك.. متخدهمش مني، أنا كنت بقول الحقيقة، إخواتي جعانين والله مكنت بكذب.
رفعت إيدك الاتنين وفتحت كفك عشان تطمنها
ترددت ثانية وبعدين همست لوسيا.
أمك كدة من إمتى؟.
من امبارح.. لا، من قبل امبارح. شفايفها كانت بتترعش.. كانت بتحاول تقوم وبعدين وقعت، قالت إنها تعبانة وبعدين مأمتش تاني.
بصيت للست تاني.. الأوضة كانت حر قوي على سخونية زي دي، وبرد قوي على أطفال، وفاضية قوي على ناس بتحاول تعيش جواها. جنب السرير كان فيه شريط برشام فاضي نصه، وكوباية فيها مية قديمة. أنت عرفت شكل المضاد الحيوي ده لأن أمك كانت بترصه قدامك وهي بتموت بهدوء زمان.
سألتها اسمها إيه؟.
ماريسول.
مفيش حد هنا تاني؟.
لوسيا هزت راسها.. والمطر كان بيخبط على السقف كأنه خبطات إيد. خالي مابقاش بيجي.. والجارة ادتنا عيش امبارح وبعدين مشيت. بصت للتوأم وقالت كنت بحاول أنيمهم.
واحد من الأطفال بدأ يصرخ بقوة.. لوسيا اتحركت ناحيته بس أنت سبقتها. أنت مكنتش شلت طفل من 21 سنة، بس الذاكرة لسه في إيديك. شلته بالراحة، وجسمه الصغير كان دافي ومحتاج للأمان.
سكت تلات ثواني.. وبعدين صرخ تاني.
سألتها تعرفي تجهزي اللبن؟.
لوسيا هزت راسها بسرعة أيوة أعرف.
بصيت للحوض.. حوض مصدي، جردل مية عكر تحته، مفيش ببرونات نضيفة، مفيش مية مغلية، مفيش كهرباء في نص الأوضة. فهمت فوراً إن المعرفة حاجة، والمقدِرة حاجة تانية خالص.
طلعت تليفونك.. ولثانية غبية كنت هتكلم المساعد بتاعك! مش الإسعاف! المساعد! لأن الرجالة الأغنياء لما بتقابلهم أزمة، بيلجأوا للأنظمة اللي بتحميهم من وجع الدماغ. بس في اللحظة دي حسيت بعياط الطفل على كتفك، وكرهت نفسك بوضوح لأول مرة.
كلمت الطوارئ.. ووصفت الحالة بالظبط وبدقة، لأن الرعب ملوش لازمة وقت العمل.
لوسيا كانت بتبص لك باستغراب كأنها أول مرة
قلت لها هما