الجرسونة
المحتويات
فاكرة، لحد ما هو قرر إنها لازم تفضل موجودة.
حافظت صوفيا على ملامحها هادية وعينيها في الأرض، مختفية تماماً زي ما ماركو قال لها. بس الاختفاء ده بقى أصعب بكتير تحت نظرات دانتي ريتشي.
على نص الليل، كانت أطباق الحلو اتشالت وفناجين الإسبريسو خلصت. صوفيا قدمت الحساب في محفظة جلد، رغم إنها كانت عارفة من وشوشة الناس في المطعم إن ده مجرد تمثيل؛ رجالة زي دول مبيسألوش على تمن العشاء، دول بيشتروا المكان كله.
دانتي مضى من غير ما يبص على الإجمالي. ولما رجعت له بالوصل، مد لها المحفظة وصوابعه لمست صوابعها لثانية زيادة عن اللزوم.
وقال لها بالإيطالي شكراً يا صوفيا، ونطق اسمها بطريقة فيها نعومة وحدة في نفس الوقت.
هزت دماغها بس، لأن الكلام فجأة بقى يحسسها بالخطر.
الرجالة خرجوا واحد ورا التاني، وكان دانتي آخرهم. عند الباب وقف وبص ورا وقال Buonanotte تصبحوا على خير.
وبعدين اختفى.
صوفيا فضلت باصة للباب الفاضي لحظة قبل ما تجبر نفسها ترجع للحركة. بدأت تلم الأطباق وتمسح الترابيزة، ولقت البقشيش محطوط تحت المحفظة.
كان مبلغ أكبر من اللي بتجمعه في أسبوع كامل.
للحظة مكنتش عاوزة تاخده، كأنها لو خدته هتبقى جزء من حاجة هي مش فاهمة أبعادها. بس الإيجار ميعرفش كرامة، وجدتها محتاجة لها، وتذاكر الطيران غالية. حطت الفلوس في جيبها.
بعد
مستر ريتشي عاوز يشوفك قبل ما تمشي.
صوفيا جسمها سقع هو لسه هنا؟
ماركو قال باستغراب طبعاً، هو اللي كان على ترابيزة سبعة.
ماركو خدها لمكتب الإدارة الصغير اللي ورا. خبط خبطة واحدة وفتح الباب.
دانتي كان قاعد ورا المكتب، قالع الجاكيت ومشمر كمام قميصه الأبيض. وكان فيه حارس واقف جنب الباب، ضخم زي الدولاب وساكن تماماً.
قال لها دانتي اقعدي. وصوفيا قعدت لأن الصيغة مكنتش تسمح بالرفض.
بص لها شوية، مش نظرة إعجاب ولا نظرة طيبة، كانت نظرة تقييم، كأنه بيقارن الست اللي قدامه بملف قراه عنها.
قال لها إنتي بتتكلمي إيطالي كأنك من أهل البلد، مش كأنك دارساه.
ردت من غير تفكير أنا فعلاً من أهلها، على الأقل من ناحية جدتي.
والتليفون كان بخصوص جدتك.
مقالهاش كسؤال، بس هي ردت هي في دار رعاية في كاليفورنيا، والممرضة قالت لازم أروح في أسرع وقت.
فتح درج المكتب وطلع ملف رفيع وزقه ناحيتها افتحيه.
جوه كان فيه تذكرة طيران لسان فرانسيسكو لبكرة العصر، درجة أولى. وتحتها ظرف تقيل يخلي القلب يدق.
بصت له بذهول إيه ده؟
عرض شغل.
ملمستش الظرف وقالت مش فاهمة.
أنا مسافر بكرة بالليل لشغل في كاليفورنيا، والمترجم بتاعي مش متاح. محتاج حد بيتكلم
ريقها نشف عاوزني أشتغل معاك؟
لمدة أسبوعين.. ترجمة، دعم إداري، وتواجد.
سألته اشمعنى أنا؟
ابتسم ابتسامة باردة لأني بفضل الناس اللي عاينتهم بنفسي.
الرد خلاها تتوتر أكتر وعاينت إيه تاني؟
ريح ضهره لورا وقال عارف إن ملكيش ارتباطات قوية في نيويورك، وعارف إن كاليفورنيا هي المكان اللي لازم تكوني فيه دلوقتي. العرض ده بيحل مشكلة لينا احنا الاتنين.
صوفيا ضغطت على الملف ولو قلت لأ؟
دانتي فضل هادي بس جو الأوضة اتغير يبقى هفترض إنك هتلاقي طريقك لسان فرانسيسكو بنفسك بكرة، وأتمنى لكي التوفيق بميزانية جرسونة.
موش تهديد صريح، بس كان واقع قاسي.
قامت وهي مش متزنة محتاجة أفكر.
طبعاً.. فيه عربية هتعدي عليكي الساعة 12 لو قررتي تيجي.
قلبها اتخطف إنت عرفت عنواني منين؟
قال بمنتهى البساطة سجلات الموظفين. كذبة متلمعة زيادة عن اللزوم.
وهي خارجة، قال لها جدتك معندهاش وقت كتير، والوقت اللي بيضيع بيبقى ندم.
الساعة 12 بالظبط، عربية سوداء وقفت قدام بيتها. صوفيا خدت شنطتها ونزلت، والسواق خدها لمطار خاص. هناك قابلت إيلينا، مديرة مكتب دانتي، اللي دخلتها لصالة انتظار فخمة جداً. دانتي كان واقف عند الشباك، هادي جداً كأنه مستني حجز مطعم مش بيرتب
لما شافها قال جيتي.
صوفيا حطت الملف على الترابيزة عشان جدتي بتموت.
هز دماغه كأنه فاهم عتابها وإنتي عملية.
متاخدش الاضطرار على إنه موافقة.
دانتي بان عليه إنه راضي عن الرد ده اقعدي، هنطلع الطيارة كمان عشر دقايق.
الطيارة كانت خيالية؛ جلد طبيعي، خشب غالي، حتى أوضة نوم ورا.
أول ساعة كانت شغل وبس، ترجمت له إيميلات وعقود لشركات استيراد في سان فرانسيسكو ومزارع في نابا. الشغل كان حقيقي، وده قلقها أكتر.
في نص الرحلة، قفل الملف وبص لها إنتي معاكي شهادة في التجارة الدولية.
صوفيا اتسمرت في مكانها؛ هي مقلتش له كده أبداً.
إنتي مؤهلاتك أكبر بكتير من إنك تشيلي أطباق ريزوتو.
قالت بغضب إنت فتشت ورايا.
أنا بفتش ورا الكل.
ده مبيخلهوش فعل أقل اقتحاماً للخصوصية.
رد بمنتهى البرود لأ، بس بيخليه فعل متسق مع مبادئي.
بصت من الشباك وقالت أنا سبت بوسطن لأني كنت مضطرة.
عارف.. وصاحبك القديم مش هيعرف يوصل لك وأنا موجود.
دمها اتجمد فتشت وراه هو كمان؟
شلت احتمالية وجود مشكلة.
مسمحتش لنفسها تسأل شلتها إزاي لأنها كانت متأكدة إنها مش عاوزه تعرف الرد.
وصلوا كاليفورنيا بعد الغروب. العربية خدت صوفيا لدار الرعاية، ودانتي محضرش معاها، بس السواق سلمها بوكيه ورد أبيض وقال لها مستر ريتشي فكر إنك هتحتاجي دول.
جدتها كانت دبلانة جداً،
متابعة القراءة