الجرسونة
الجرسونة ردت بالإيطالي من غير ما تفكر... والراجل الوحيد في الأوضة اللي كان الكل بياخد أوامره منه رفع عينه، وبص في وشها لنص ثانية زيادة عن اللزوم، وقال بصوت واطي خلوها هنا. لحد اللحظة دي، صوفيا قضت ست شهور في نيويورك بتعمل حاجة واحدة ببراعة إنها تفضل مختفية. بس في الثانية اللي الراجل ده نطق فيها التلات كلمات دول، عرفت إن الليلة اتغيرت... وحظها كمان اتغير.
كان فيه ست رجالة قاعدين على الترابيزة المدورة، كلهم باين عليهم العز الهادي، النوع اللي مش محتاج يلبس ماركات عشان يثبت إنه غني. في نص الترابيزة كان فيه دورق كريستال بيلمع، وجنبه ملفات وورق مفتوح وكاسات مشروب مخلصتش.
بس فجأة، كل اللي في الأوضة اتلخص في راجل واحد.
كان قاعد في مكان مكنش المفروض يكون هو رأس الترابيزة المدورة، بس بطريقة ما هو كان القائد. سنه في نص التلاتينات، أصغر مما كانت متوقعة، شعره أسود ومتسرح لورا بدقة، فكه حاد ومرسوم، ولابس بدلة متفصلة عليه بالمللي. سكونه كان له هيبة أكتر من حركة أي حد تاني. الباقيين كانوا ماليين المكان، أما هو فكان يملكه. عينيه نزلت عليها ومتحركتش.
عينيه كانت غامقة، مش بس لونها، لكن تقلها؛ تحس إنه بيلاحظ كتير وبيسامح قليل.
صوفيا نزلت عينيها غصب عنها.
قالت مساء الخير، أنا صوفيا وهكون مسئولة عن
بدأت تلف حوالين الترابيزة وتجمع الطلبات. نجروني، بارولو، مياه فوارة، سكوتش. إيديها كانت ثابتة رغم إنها حاسة بنظراته ملاحقاها بدقة توتر الأعصاب.
لما وصلت عنده، مردش فوراً.
قال لها إنتي جديدة هنا.
مقلهاش كسؤال، كان متأكد. صوته كان واطي وناعم، بلهجة سكان الساحل الشرقي الأغنياء اللي بتبان كأنها سر.
أيوة يا فندم، بقالي تلات شهور.
ابتسامة خفيفة ظهرت على طرف بقه. سكوتش.. سادة.
كتبت الطلب ولفت عشان تمشي وهي حاسة براحة إنها هتبعد، بس قبل ما توصل للباب، دخل راجل تاني لابس بدلة سودة، مال على الراجل اللي شعره أسود ووشوشله بحاجة صوتها واطي جداً.
مفيش حاجة اتغيرت في وش الراجل.
بس كل حاجة اتغيرت في الأوضة.
صوفيا حست بكده فوراً. الجو بقى مشحون، كأن فيه سلك خفي اتشد حوالين الترابيزة. خرجت بسرعة عشان تجيب الطلبات ومعرفتش تاخد نفسها غير لما باب الممر قفل وراها.
لما رجعت ومعاها الصينية، الكلام كان بقى همس. بدأت تقدم المشروبات لكل واحد في صمت. وهي بتحط السكوتش قدام الراجل الكبير، تليفونها هز في جيب المريلة.
الهزة دي كانت كأنها كهربا مشيت في جسمها.
كانت هتطنش، لأن في مطعم بيلا فيتا المكالمات الشخصية أثناء الخدمة ممكن تطير الشغلانة. بس هي كانت كاسرة القاعدة دي
محدش هيتصل في الوقت المتأخر ده غير شخص واحد.
رجعت لورا ناحية الحيطة وبصت في الشاشة من غير ما حد يلاحظ.
كانت الممرضة.
قلبها وقع في رجليها.
همست أنا آسفة، وخدت خطوتين ناحية الباب وردت بصوت واطي Pronto؟ ألو بالإيطالي.
الإيطالي طلع منها من غير تفكير. لغة متخزنة في حتة أبعد من الحذر، تحت طبقات اللهجة الأمريكية اللي بتتصنعها قدام الناس. لما الخوف بيوصل للأعماق، بينده عليها بلغة جدتها.
الممرضة كانت بتتكلم بهدوء.. هدوء زيادة عن اللزوم.
صوفيا غمضت عينيها.
لسه مماتتش، بس خلاص، اللحظة قربت جداً. لو صوفيا عاوزة تشوف جدتها وهي واعية لآخر مرة، لازم تروح فوراً.
Grazie شكراً، صوفيا همست بالكلمة لأن مفيش حاجة تانية تتقال، أنا فاهمة.
قفلت السكة وضغطت بإيديها جامد على التليفون، كأنها بتحاول تحبس وجعها جواها عشان ميفضحهاش.
فتحت عينيها ولقت الأوضة كلها ساكتة تماماً.
كل الرجالة اللي على الترابيزة كانوا باصين لها.
بس نظرة واحدة هي اللي كانت تفرق، لأن نظرته هو اتغيرت.
لحد اللحظة دي كان بيبص لها كأنه صاحب عمل بيبص لموظفة مفيدة، لكن دلوقتي كان بيبص لها كأنه لسه متعرف على وش وسط زحمة مكنش المفروض
صوفيا رجعت التليفون في جيبها وقالت بعتذر على المقاطعة. تحبوا تطلبوا الأكل؟
محدش رد في الأول. بعدين الراجل اللي معاه السكوتش ريح ضهره لورا وقال، وبإيطالية مثالية من أنهي منطقة؟
السؤال خبط في دماغها زي الجرس.
كانت ممكن تكذب، وكان المفروض تكذب. بس حاجة في تعبيرات وشه قالت لها إنه هيكشف الكذبة قبل ما تخلصها.
قالت بالإيطالي برضه الأصل؟ جدتي كانت من حتة قريبة من فلورنسا. بس أنا كبرت معظم حياتي في بوسطن.
واحد من الرجالة رفع حاجبه، والتاني ابتسم بفضول. أما الراجل اللي شعره أسود مسكتش، بس ملامحه كانت ثابتة.
قال أخيراً وهو بيرجع يتكلم إنجليزي بمنتهى السهولة خلينا في الإنجليزي عشان الترابيزة.
العشاء كمل، بس الموازين اتقلبت.
صوفيا كانت بتدخل وتخرج بالأطباق، وهي حاسة بنظراته ملاحقاها في كل خطوة، كأن إيده على رقبتها من ورا. الرجالة كانوا بيتكلموا في الشغل وشوية كلام عادي، وأكتر من مرة كان الإيطالي بيفلت منهم في جمل سريعة وهما فاكرين إن العمال مش هيفهموا.
صوفيا كانت فاهمة كل كلمة.
خطوط شحن. مخازن في نيوارك. تأخير في الجمارك بكلام باين إنه رشاوي. شركة في بالتيمور بتتشري مش عشان نشاطها المعلن، لكن عشان الحاجات اللي ممكن تتهرب من خلالها في نص الليل.
كانت بتسمع أسرار تودي ورا الشمس،