جواز قسري

لمحة نيوز

أمي بتستعملها لما تحب تبهر حد.
ده مكنش عشا.. دي كانت تمثيلية.
راجل قام من على الكنبة أول ما دخلت.. طويل، جاكيت شيك، حالق دقنه.. في الأربعينات.
رفعت بيه.
هز راسه لي بهدوء، كأننا متفقين على كل حاجة فعلاً.
وفي الركن، كان فيه راجل تاني ومعاه فايل جلد.. المأذون.
أمي خرجت من المطبخ وهي وشها منور أهي جت يا حبيبتي.. تعالي الكل مستنيكي.
قالتها كأني متأخرة على حفلة والكل كان صابر عليا.
شوفت الكرسي اللي محطوط قدام رفعت، وجنبه قلم.. مفيش أكل، مفيش أطباق.
وبعدين سمعت صوت الترباس وهو بيتقفل ورايا.
أبويا كان واقف سد عند الباب ومربع إيده.
قبل ما أتحرك، أمي زقت كومة ورق ناحيتي مستقبلك يا حبيبتي.
بصيت في الورق.. عقد تنازل وأصول زوجية.. اسمي مكتوب في كل حتة ياسمين شريف.
مطبوع بوضوح كأني خانة في ملف خلصت خلاص، مش بني آدمة ليها رأي.
قولت لها إيه ده؟
قالت ببرود امضي.. إنتي مابتفهميش مصلحتك.
قولت لها أنا حتى ماشفتش الراجل ده قبل كده!
ردت أهو قدامك، اقعدي.
رفعت قرب ومد إيده أعتقد هتلاقي الشروط مناسبة جداً.. مامتك قالت لي إنك هتكوني صعبة شوية بس مطيعة.
بصيت للمأذون اللي كان عينه في الأرض، ورجعت بصيت للعقد.
لمحت بند وسط الكلام.. قريته وسكت، مابينتش أي رد فعل.
أمي قالت وهي بتطبطب على إيدي عيلة رفعت ناس صبورين وكرمة جداً.
رفعت بص في ساعته.. وفي اللحظة دي فهمت كل حاجة. هو مش هنا عشان عايز شريكة، هو هنا عشان يلم دينه.
وأنا كنت الكمبيالة.
قمت من مكاني فجأة، وصوت الكرسي كان عالي أنا مش همضي على حاجة.
أمي وشها ماتغيرش إنتي لسه مخلصتيش قراية.
مش محتاجة أقرا، أنا مش موافقة.
روحت ناحية الباب، بس أبويا كان واقف زي الحيطة.
أوعى يا بابا.
بص لأمي ورجع
بص لي وفضل مربع إيده وساكت.
أمي قالت من ورايا بصوت ناعم إنتي مش هتمشي النهاردة يا ياسمين.
من تلات سنين، الموقف ده كان هيدمرني، كنت هعيط وأنهار.. بس النهاردة الموضوع مختلف.
رجعت قعدت تاني.
أمي افتكرت إنها كسبت، مسكت إيدي وقالت بصوتها الحنين المسموم أنا شيلتك 9 شهور، ضحيت بعمري وحياتي.. 27 سنة يا ياسمين، وكل اللي طالباه منك حاجة واحدة، إنك تخليني أرفع راسي قدام الناس.
ونزلت دموعها في وقتها المظبوط بالمللي.
بصيت لها وقلت في سري عياط.. لوم.. سيطرة.. هو ده النظام.
مسكت العقد تاني، وأمي عينيها لمعت، بس أنا مامسكتش القلم.
بصيت للمأذون وقولت له ممكن أسألك سؤال؟ هما كلموك امتى بخصوص الموضوع ده؟
اتلخبط وقال المدام كلمتني الأسبوع اللي فات، وقالت إن الطرفين موافقين.
بصيت له وقلت بهدوء دي أول مرة أسمع عن الجوازة دي، وأول مرة أشوف الراجل ده، وأول مرة أشوف العقد ده.. اسمي مكتوب من غير علمي.
المأذون وشه اتخطف يا مدام، إنتي قولتي لي إن الطرفين..
أمي قاطعت بسرعة دي أعصاب فرح، إنت عارف البنات بيبقوا قلقانين إزاي.
قولت لها أنا مش قلقانة، أنا بقول حقائق.
المأذون بدأ يقلق، وحاول يقوم، بس أمي زعقت فيه اقعد.. أنا دافعة لك حسابك!
وش أمي الحقيقي ظهر.. القناع وقع.
أبويا قال من عند الباب اسمعي كلام أمك.
رفعت نفخ وقال أنا مش ضارب مشوار 40 دقيقة عشان أناهد.. هنخلص ولا لأ؟
بصيت له وقولت إنت بتسألني أنا ولا بتسألهم؟ لأنك واضح إنك بتتفاوض مع أهلي مش معايا.
الموبايل هز في شنطتي.. رسالة من أمال الشرطة أكدت البلاغ، ابعتي الإشارة في أي وقت.
بعت كلمة واحدة وأنا مش باصة للموبايل.. كنت حافظة مكان الحروف.
ورجعت بصيت لأمي وابتسمت.
إيه اللي بيضحكك؟
ولا حاجة.
. بس بما إننا كلنا هنا، خلوني أقولكم أنا لقيت إيه في العقد.
فتحت صفحة 2 رصيد حسابي في البنك مكتوب هنا بالمللي.. ربعمية ألف جنيه. أنا ماقولتش الرقم ده لحد أبداً.
صفحة 4 السكن في بيت عيلة رفعت.. ومفيش أي بديل تاني.
صفحة 5 العروسة بتوافق إنها تسيب شغلها في خلال شهرين من الجواز.
بصيت لأمي وقولت لها عايزاني أسيب شغلي؟
قالت ببرود عيلته مش محتاجة إنك تشتغلي.
رديت الموضوع ملوش علاقة بعيلته، الموضوع إنك عايزة تقطعي دخلي عشان ماعرفش أمشي.
حطيت العقد على التربيزة وقولت لها دي مش جوازة يا أمي.. دي بيعة.
بصيت لأبويا وقلت له يا بابا، إنت مديون لهم بكام؟
قال لي ده مش شغلك.
لا شغلي، لأن أنا التمن اللي بتدفعه عشان تسد دينك.. تلاتة مليون جنيه، صح؟ القرض اللي تعثرت فيه السنة اللي فاتت، وبدل ما تلاقي حل، قررت تبيعني.
رفعت قام وقف، والمأذون قام هو كمان وقال أنا لازم أمشي، أنا مش هشارك في المصيبة دي.
أمي زعقت مش هتمشي!
المأذون قال لها يا ستي، لو ده مش برضاها، يبقى الجواز باطل وأنا هتحبس!
حاول يروح ناحية الباب بس أبويا كان لسه واقف سد.
أبويا قال بصوت تعبان محدش هيمشي دلوقتي.
المأذون بص لأبويا وبعدين بص لي، وفهم إنه هو كمان بقى محبوس معانا.
أمي همست بغل حسابي مع كريمة بعدين.
أبويا ما اتحركش من مكانه، فضل سادد الباب زي عادته.. مش بالقوة، لا، بوجوده التقيل. من نوعية الرجالة اللي فاكرين إن وقوفهم في مكانهم معناه إنهم صح.
للحظة، شوفت المشهد من بره أربعة كبار، واحد سادد الباب، في بيت في شارع هادي.. لو حد معدي بالعربية، هيشوف نور المدخل، وممكن ما يسمعش أي حاجة.
دي الطريقة اللي الأمور بتمشي بيها.. كل الحاجات البشعة بتفضل ورا الستاير المقفولة.
أمي
اتحركت ونبرة صوتها اتغيرت فجأة، قلبتها صعبانيات
ياسمين، شوفتي بتعملي فينا إيه؟ إنتي بتصغرينا قدام الشيخ.. وقدام رفعت بيه. هو ده طبعك؟
كنت هضحك والله.
هي كل همها إن شكلها يصغر في وسط كمين هما اللي عاملينه!
نور كشافات عربية عدى من الشباك، جارتنا كانت بتركن عربيتها.. أمي بصت ناحية الشباك بسرعة وقالت اقفل الستارة يا شريف.
أبويا شد الستارة قفلها، ورجع وقف سد عند الباب تاني.
بصيت على ساعة المطبخ.. كانت 8 إلا تلت.
قلت له يا بابا، إنت دلوقتي مانع ناس إنها تخرج من البيت.. عارف ده اسمه إيه في القانون؟
ماردش.
ده اسمه احتجاز غير قانوني.. ودي جناية.
إيده اتكرمشت شوية جنبه، مكنش عايز يضرب، بس كان بيحاول يمسك أعصابه بالطريقة الوحيدة اللي يعرفها.
من بعيد، تهيأ لي إني سمعت صوت سرينة شرطة.. يمكن.
أو يمكن لسه.
حطيت العقد تاني على السفرة بنظام وسط الورد والأطباق الفاضية، وقمت براحة من غير ما الكرسي يعمل صوت.
بصيت لأمي، وأبويا، ورفعت اللي ضارب مشوار عشان يروح ب بني آدمة.
وابتسمت.
مش ابتسامة شماتة.. لا، دي الابتسامة اللي بتيجي لما كل حاجة تركب في مكانها وتشوف الصورة كاملة.
يا ماما.. يا بابا.
صوتي كان هادي لدرجة إني ماعرفتوش.
كان لازم تقروا الورق اللي أنا قدمته امبارح.
سكوت تام.. تلات ثواني كانوا أطول تلات ثواني عدوا في الأوضة دي.
أمي سألت بصوت واطي ومخطوف ورق إيه اللي قدمتيه؟
مديت إيدي في الشنطة وطلع ظرفين، لسه جداد وما اتفتحوش.
حطيت الأول على التربيزة وقلت ده أمر حماية طارئ.. قاضي المحكمة مضى عليه النهاردة الصبح. بيمنعكم إنتوا الاتنين إنكم تتصلوا بيا أو تقربوا مني.. والقرار ده يتنفذ فوراً.
وحطيت الظرف التاني جنبه وده بلاغ رسمي.. فيه توثيق
لسنين من السيطرة والإكراه والضغط النفسي والعزل.
حطيتهم جنب عقد الجواز.. تلات ورقات على المفرش
تم نسخ الرابط