جواز قسري
أهلي عزّموني على العشا، وقعدوني قدام راجل غريب ومعاهم مأذون.. أول ما وصلت، ناولوني ورقة وقالو لي مضي، كتب كتابك النهاردة.
بصيت في الورقة وقولت لهم ده مش جواز، دي بيعة.
أبويا سد الباب، والراجل التاني زعق وقال هنخلص ولا لأ؟ أنا مش ضارب مشوار 40 دقيقة عشان أقعد أناهد.
أنا اسمي ياسمين، عندي 27 سنة.. والجمعة اللي فاتت أهلي عزّموني على العشا، وبعدين قفلوا الباب بالمفتاح وقعدوني قدام واحد عمري ما شفته قبل كده، وزقوا عقد جواز قدامي وقالو لي الموضوع ده هيخلص النهاردة.
كان فيه مأذون قاعد في ركن الصالون في هدوء، وأبويا واقف سد عند باب الشقة، وأمي بتبص لي بصه اللي واثق إنه خلص مشكلته.. هادية، ومستريحة، وكأن الموضوع انتهى.
والحقيقة؟ هي فعلاً كان عندها حق، كل حاجة كانت خلصت فعلاً، بس مش بالطريقة اللي هي متخيلاها.
قبل ما أكمل، لو القصة دي لمستكم بأي شكل، تقدروا تعملوا لايك وتشتركوا لو حابين، وسيبوا لي كومنت قولوا لي بتسمعوني منين والساعة كام دلوقتي عندكم.
خلوني أرجع بيكم أسبوعين لورا، مش ليوم العشا ده، لا.. لليوم اللي المكالمة فيه بدأت كل حاجة.
لازم أوضح لكم أنا مين، أو كنت مين، لأن دلوقتي حاسة إني بقيت شخص تانية خالص.
أنا عايشة لوحدي في شقة صغيرة على أطراف المحافظة، بعيد عن بيت أهلي ب 45 دقيقة.. شغالة مساعدة إدارية في عيادة بيطرية، بدفع إيجاري في معاده، ماليش في السهر ولا الخروج، آخري أقعد على الكنبة مع قطتي أتفرج على مسلسل.
حياتي بسيطة وهادية ومستقرة.
بس بالنسبة لأمي، حنان، كلمة هادية ومستقرة دي يعني فاشلة.
كانت بتكلمني تلات مرات في الأسبوع على الأقل، مش عشان تطمن عليا، لا.. عشان تراقبني. كنتي فين السبت؟ مع مين؟ ليه
ودايماً الجملة اللي مابتتغيرش إنتي عندك 27 سنة ولسه لوحدك يا ياسمين، إنتي عارفة الناس بتقول إيه؟
مع الوقت بطلت أرد على مكالماتها، وده خلى الأمور تسوء أكتر.
في العزومة اللي فاتت، روحت لهم البيت بعد ما ذنبتني تلات أيام، وأول ما دخلت والأكل في إيدي، وقبل حتى ما أحط الحاجة على الترابيزة، لفت لمرات عمي وقالت دي ياسمين، لسه سينجل، ولسه شغالة في عيادة الحيوانات دي.
قالتها وهي بتضحك كأنها نكتة، وكأن الكل فاهم ومستني يضحك معاها.
أبويا شريف كان قاعد على رأس التربيزة وساكت كالعادة، مجرد هزّة راس تقيلة كأنه موافق على كل حاجة بس مش مهتم يتكلم.
ودايماً كان سكوته صوته أعلى من كلام أمي.
لما كملت 24 سنة، فيه فكرة نورت في دماغي مش معنى إنك بتحب أهلك، إنك لازم تستحمل كل اللي بيعملوه فيك.
دي كانت السنة اللي بدأت أكتب فيها مذكراتي.. ماكنتش عارفة ليه وقتها، بس كنت محتاجة مكان أحط فيه الحاجات اللي مش منطقية اللي بتحصل لي.
يوم الخميس الظهر، كنت في الشغل برص العهدة، والموبايل رن.
عمتي كريمة.
عمتي عمرها ما بتكلمني الصبح أبداً.
خرجت بره العيادة ورديت.
ياسمين.
صوتها كان مهزوز، مش دراما ولا رعب، بس صوت حد بيحاول يمسك نفسه بالعافية.
قالت لي اسمعيني كويس، وما تقاطعنيش غير لما أخلص كلامي.
وفعلاً سكت.
أمك كلمتني النهاردة.. كانت فرحانة وبتباهى، قالت إن بكرة الجمعة فيه عشا في البيت، وإنهم أخيراً هيحلوا مشكلة ياسمين.
إيدي كلبشت في الموبايل.
كملت وقالت فيه راجل، اسمه رفعت، في الأربعينات.. وهيكون فيه مأذون وعقد.
نطقت اسمها تلات مرات عشان أستوعب كريمة.. يا كريمة.. إنتي بتقولي إيه؟
كتب كتاب يا حبيبتي، ماضي عليه
قلبي وقع في رجليا.
قالت لي في الآخر هي عزمتني أروح أتفرج، قالت إنها عايزة حد من العيلة يحضر لما بنت أخوها أخيراً تعمل الصح.. أنا قولتلها مش هقدر أجي، بس مش هسيبك تدخلي البيت ده من غير ما تعرفي إيه اللي مستنيكي.
فضلت قاعدة في العربية وقت طويل بعد المكالمة، وإيدي بتترعش على الدريكسيون. مكنش خوف، كان شعور إن كل حاجة ركبت في مكانها أخيراً.
كل سنين الضغط والذنب والسكوت مكنتش صدفة، دي كانت خطة واضحة.
قبل ما تقفل، كريمة قالت لي جملة واحدة إنتي مش مديونة لهم بحياتك يا ياسمين.
كان قدامي 24 ساعة، ولأول مرة، مش هكون البنت المطيعة.
وأنا راجعة البيت، فكرت في كل الاحتمالات.
لو ماروحتش، أمي هتكلم كل قرايبنا وتقول لهم إني رميت أهلي، وهتطلع عليا سمعة إني مش متزنة، وهتلف الحكاية لحد ما تطلعني أنا الشريرة.
لو روحت ورفضت، أبويا هيسد الباب، وأنا عارفة إنه هيعملها لأنه عملها قبل كده.
من تلات سنين، لما لميت شنطتي وقررت أعزل، وقف سد قدام الباب وقال لي خمس كلمات لو خرجتي، ماترجيش تاني.
خرجت وقتها، بس ليلتها مكنش فيه مأذون ولا عقد باسمي مستنييني.
ولو روحت ووافقت، هخسر كل حاجة.. شقتي، شغلي، والتلات سنين اللي قضيتهم وأنا بتعلم يعني إيه هدوء وخصوصية.
طلعت المذكرات من درج الكومودينو.. تلات سنين من التواريخ والمواقف وكلام أمي اللي كان محشور بين الصفحات زي ورد دبلان، بس مكنش فيه أي حاجة رقيقة تستاهل الحفظ.
أكتوبر، من سنتين أمي كلمتني الساعة 11 بالليل وقالت لي لو مجيتيش في العيد هقول لجدتك إنك ماشية غلط وده مكنش حقيقي.
مارس، السنة اللي فاتت بابا بعت رسالة
موقف ورا موقف.. تواريخ، سكرين شوتس، فويسات.
مكنتش عارفة أنا بجمع كل ده ليه، بس كنت محتاجة أشوف الحقيقة قدام عيني.
الساعة 11 بالليل، كلمت أمال، زميلة مدرستي القديمة وشغالة دلوقتي في مكتب المحامي العام. حكيت لها كل حاجة.. مكالمة عمتي، العشا، العقد، رفعت، والمأذون.
سكتت شوية وقالت لي جملة غيرت كل حاجة ياسمين، اسمعيني.. دي مش دراما عائلية، ده إكراه وسيطرة، والقانون بيحمي من الحاجات دي.
وقالت لي إنها سجلت الحالة ك خطر داهم.
منمتش ليلتها، مش خوفاً، بس عشان لأول مرة مكنتش بسجل اللي بيحصل لي، كنت بقرر أنا هعمل إيه.
الجمعة الصبح، روحت المحكمة، وأمال كانت مستنياني بفايل في إيدها.
قالت لي جهزت كل حاجة.. أمر حماية طارئ.. إنتي اكتبي الحكاية وأنا هكمل الباقي.
قعدت وكتبت كل حاجة.. تلات سنين ضغط، وقت ما أبويا سد الباب، واللي عمتي قالته.. 42 صفحة، و سكرين شوت.
على الساعة 11، القاضي شاف الورق ومضى عليه.. أمر حماية فعال فوراً.
بعدها أمال قدمت بلاغ رسمي ل حماية البالغين عشان يتفتح تحقيق في السيطرة والإكراه اللي بتعرض له.
وعملت مكالمة أخيرة للشرطة، بلغتهم بعنوان بيت أهلي، وإني هكون هناك بالليل، وإن فيه أمر حماية ساري، ومحتمل أحتاج مساعدة.
الساعة 7 إلا ربع بالليل، وقفت قدام بيتهم.
نور المدخل كان والّع، وعربية أمي مركونة، ووراها عربية سوداء غريبة.
مديت إيدي في الشنطة، فتحت مسجل الصوت في الموبايل، وسيبته جوه.
خدت نفس عميق.. مكنتش خايفة، لأول مرة في حياتي مكنتش خايفة خالص.
الباب مكنش مقفول، وده لوحده كان علامة غريبة لأن أمي مابتسيبش باب مفتوح أبداً.
دخلت، واتصدمت من
مفرش أبيض على السفرة، ورد، شموع.. ريحة المكان بخور، الريحة اللي