الملياردير لبس هدوم مقطعة ومبهدلة وعمل نفسه شحات

لمحة نيوز


من الممرات الجانبية ومن خلف الأعمدة ومن بوابات الطوارئ، اندفع عشرون رجلا بملابس رسمية أنيقة، يتحركون بانضباط صارم ويحيطون بالحاج كمال ومنال في دائرة حماية كاملة. توقفت حركة المتسوقين، انخفضت الأصوات، سحبت الهواتف من الجيوب وبدأت الكاميرات بالتسجيل.
وفي تلك اللحظة، وصل المدير العام للمول يلهث، وقد فقدت ربطة عنقه انتظامها من شدة التوتر. ما إن وقعت عيناه على الرجل الذي كان يدفع ويهان قبل دقائق، حتى اتسعت حدقتاه وتجمد في مكانه.
صرخ دون وعي
حاج.. حاج كمال!
ارتجف صوته وانحنى فورا بانكسار كامل، حتى كاد جبينه يلامس الأرض.
قال بصوت متقطع
سيدي، نعتذر نعتذر بشدة، لم نكن نعلم، لم يخبرنا أحد
كانت منال تقف في المنتصف تحدق في المشهد، وكأنها تشاهد حلما لا ينتمي إلى الواقع. نظرت إلى الرجل العجوز الذي كانت تسنده قبل دقائق، ثم إلى الحراس، ثم إلى المدير المنحني، ولم تنبس بكلمة.
خلع الحاج كمال قبعته ببطء، ومسح بيده آثار الأوساخ الزائفة عن وجهه، ثم استقام واقفا. في تلك اللحظة، لم يعد في هيئته شيء من الشحات، كان حضوره وحده كافيا ليملأ المكان سلطة وهيبة.
ساد صمت ثقيل، صمت لا يسمع فيه سوى أنفاس الناس.
تحرك الحاج كمال بخطوات ثابتة نحو متجر الملابس الفاخرة حيث كان تامر واقفا كتمثال شاحب، شحب وجهه حتى صار رماديا، وبدأت ركبتاه بالارتجاف.
قال بصوت متكسر
م.. من أنت؟
ابتسم الحاج كمال ابتسامة

لم يكن فيها أي أثر للشفقة، ابتسامة هادئة لكنها قاسية كمرآة أجبرت فجأة على عكس الحقيقة كاملة، ثم قال بصوت ثابت لا يعلو ولا يرتجف، لكنه كان كافيا ليسمع في أعمق ركن من أركان المكان
أنا الزبالة اللي دفعتها برجلك قدام الناس، وأنا الراجل اللي رشيت وشه بالكحول وكأن كرامته جرثومة، وأنا كذلك مالك الأرض اللي بتقف عليها دلوقتي، ومالك المحل ده اللي بتديره، ومالك المول ده بأكمله، حجرا حجرا واسما اسما.
في تلك اللحظة، بدا وكأن الزمن توقف.
لم يعد تامر يسمع همسات المتجمهرين، ولا طنين الهواتف المرفوعة، ولا حتى دقات قلبه المتسارعة، كل ما شعر به كان انهيارا داخليا كاملا، كأن جدارا ضخما من الغطرسة سقط دفعة واحدة فوق رأسه.
انهارت ساقاه وسقط على الأرض التي كان قبل دقائق يزعم أنها لا تدنس بالفقراء، غطى وجهه بيديه وبكى، بكى بكاء لم يعرفه من قبل، بكاء رجل أدرك فجأة أنه عار من أي قيمة حقيقية.
قال بصوت متكسر يختنق بين الدموع والهلع
سامحني أرجوك، لم أكن أعلم، ظننتك شحات، أقسم أنني لم أكن أعلم.
نظر إليه الحاج كمال من عل، لا بشماتة، بل بنظرة رجل رأى هذا المشهد يتكرر طوال حياته بأشكال مختلفة، وقال ببرود قاطع خال من أي تردد
وهل إيذاء الشحات مبرر؟ وهل الفقر يسقط صفة الإنسانية عن صاحبه؟ إن الأخلاق الحقيقية لا تختبر أمام الأقوياء وأصحاب النفوذ، بل تظهر بوضوح أمام من لا يملك شيئا ولا يستطيع أن
يدافع عن نفسه، أنت لم تخطئ لأنك لم تعرفني، بل لأنك كنت ستفعل الشيء نفسه لو بقيت شحات.
ثم استدار ببطء نحو الحراس وقال بنبرة لا تحتمل نقاشا
أخرجوا هذا الرجل من هنا فورا، ويمنع منعا باتا من دخول أي منشأة أملكها، أو العمل فيها، أو تمثيلها، ابتداء من هذه اللحظة.
تقدم الحراس ورفعوا تامر من ذراعيه، كان يصرخ، يتشبث بالأرض، يستجدي الرحمة، يكرر أسماء أطفاله وعائلته، تماما كما يفعل بمن لا يملك سلطة ولا سندا، لكن هذه المرة، لم يلتفت إليه أحد، اقتيد خارجا وصوت خطواته المتعثرة تبتعد، بينما ظل الصمت مخيما على المكان، صمتا ثقيلا محملا بالخجل.
عاد الحاج كمال ببطء نحو منال، كانت تقف في مكانها، يداها ترتجفان، عيناها متسعتان، ما تزال غير قادرة على استيعاب ما يحدث، مد يده وأمسك يدها بلطف شديد، اليد نفسها التي أمسكت بذراعه قبل قليل حين كان الجميع يتفرجون بصمت.
قال لها بصوت دافئ مختلف تماما عن صوته قبل لحظات
لا تنحني يا منال، أنت من رفعتني حين تجاهلني الجميع، أنت من وقفت حين خاف الآخرون، وأنت من ذكرتني بأن كل ما بنيته طوال عمري لا قيمة له إن لم يكن قائما على الإنسان أولا.
ثم التفت إلى الحشد ورفع صوته، لا ليخيف بل ليعلم
هذه المرأة التي كانت تنظف الأرض قبل دقائق، امتلكت شجاعة لم يمتلكها أصحاب المناصب، امتلكت قلبا أنقى من كل المكاتب الفاخرة، ومن كل التواقيع المختومة.
ثم أعلن قراره بوضوح
لا يقبل التأويل تعيين منال نائبة للرئيس التنفيذي، ووريثة لإمبراطوريته بعد رحيله.
ساد ذهول مطبق، لم يصفق أحد في البداية، ثم بدأت الدموع، ثم التصفيق، ثم الهمسات التي تحولت إلى احترام صامت.
بكت منال وحاولت الاعتراض، وقالت بصوت متهدج إنها لا تحمل شهادات، ولا خبرة في الإدارة، ولا لغة الأرقام، ابتسم الحاج كمال وقال بهدوء الواثق
الأعمال تعلم، الإدارة تكتسب، أما القلب النقي، فلا يدرس في أي جامعة.
مرت السنوات، رحل الحاج كمال بعد خمس سنوات بهدوء نادر دون صخب، وهو يعلم أن ما تركه خلفه ليس مالا فقط بل معنى.
جلست منال في مكتبه الواسع، لكن قلبها ظل بسيطا كما كان يوم حملت الممسحة، لم تغيرها المناصب، ولم تنسها الكراسي من أين جاءت.
كانت تعرف أسماء
الحراس واحدا واحدا، تصافح عمال النظافة كل صباح، تزور الموظفين المرضى دون إعلام مسبق، وتقرأ بنفسها شكاوى أصغر عامل في المول، تحول المول إلى مكان يذكر لا بجماله فقط بل بعدله.
وفي يوم عادي، رأت عامل نظافة يهان من أحد الزبائن، تقدمت دون ضجيج وقالت بثبات هادئ
هنا لا يهان أحد.
نظر إليها الزبون باستعلاء وسأل
ومن أنت؟
ابتسمت منال ابتسامة تشبه تلك اليد التي أمسكت بعجوز ذات يوم، وقالت ببساطة عميقة
أنا المالكة، وفي هذا المكان لا يقاس الإنسان بما يرتديه، بل بما يحمله في قلبه.
وهكذا ظل إرث الحاج كمال حيا، لا في المباني ولا في الأرقام، بل في امرأة
اختارت في لحظة خوف أن تكون إنسانة.

تم نسخ الرابط