الملياردير لبس هدوم مقطعة ومبهدلة وعمل نفسه شحات

لمحة نيوز

الملياردير الحاج كمال عبد الستار لبس هدوم مقطعة ومبهدلة وعمل نفسه شحات جوه كامل مول بتاعه، المول الأشهر في البلد، عشان يدور على اللي يستاهل ورثه. وسط البهدلة والشتيمة وقلة القيمة، فيه إيد واحدة بس اتمدت ليه وطبطبت عليه وساعتها، كل حاجة اتغيرت.
الحاج كمال كان في خريف عمره، عنده 75 سنة، وعنده كل حاجة تتخيلها مليارات في البنوك، شركات كتير، وأشهر مول في مصر، كامل مول. بس رغم كل الفلوس دي، كان لوحده تمامًا، مراته ماتت من سنين، وما خلفوش عيال.
وعرف مؤخرًا إن وقته خلاص قرب بعد ما الدكاترة شخصوا حالته بسرطان في المرحلة الرابعة.
قال الحاج كمال لنفسه وهو بيبص من شباك قصر فيصل مين هيرث كل ده؟ ولاد إخواتي الطماعين؟ ولا أعضاء مجلس الإدارة اللي مابيفكروش غير في القرش؟ لأ، دول هيهدوا كل اللي بنيته.
كان عايز يسلم إمبراطوريته لشخص قلبه أبيض ونضيف.
وفي يوم الصبح، خد قراره.
طلب من خدامه الأمين شعبان يجيبله هدوم قديمة ومقطعة. الحاج كمال لبس قميص مدوب، وبنطلون مليان زيت وشحم، وفردتين جزمتين مش شبه بعض. ودهن وشه بطين، وخلا ريحته وحشة عشان يبان إنه راجل شارع غلبان.
شعبان قال بقلق يا حاج، إنت متأكد؟ الموضوع ده خطر، الناس ممكن تأذيك.
رده الحاج كمال بهدوء لازم أعمل كده، هدخل كامل مول، هدور على إنسان يشوفني إنسان مش زبالة، اللي هيمدلي إيده، هو ده اللي هيرث كل حاجة.
شال كيس فيه علب كانز فاضية، وراح الملياردير على مملكته

الخاصة برجليه.
من أول ما دخل الحاج كمال كامل مول، حس ببرودة مش من التكييف، لأ، من نظرات الناس.
الناس اللي بتشتري ولابسة شيك بعدوا عنه. يع! إيه الريحة دي؟ هما بيدخلوا الأشكال دي إزاي؟ يا أمن! فيه شحات جوه المول!
راح عند مطعم أكل سريع، كان جعان وعطشان بجد.
قال بصوت واطي ومبحوح يا بنتي، ممكن شوية ميه؟ لو ميه بس تكفيني.
البنت اللي على الكاشير بصتله باحتقار وقالت يا عم إنت! اطلع بره! التسوّل ممنوع! بتخرب منظر المكان وبتضايق الزبائن!
وطردته.
مشي بعدها على محل ملابس ماركات، ووقف يتفرج على بالطو شيك أوي
خرج فجأة مدير المحل، الأستاذ تامر، المعروف إنه بيلحس بيادة الأغنياء وبييجي على الغلابة.
صرخ في وشه ابعد عن المنيكانات! هتوسخ البضاعة! إنت عارف ده بتمن كام؟ لو عشت عشر حيوات مش هتقدر تشتريه!
قال الحاج كمال بصوت واطي كنت ببص بس
اطلع بره فورًا! يا أمن! إزاي الزبالة دي دخلت هنا!
جيه حارسين، وبسبب خوفهم من تامر، نفذوا أوامره.
واحد منهم قال وهو بيدفع الحاج كمال معلش يا حج، لازم تخرج.
وقع الحاج كمال على أرض المول اللامعة، عظامه وجعته، والناس ضحكت عليه، مفيش حد مدله إيده، ولا حد شفق عليه.
حس إن الأمل بيضيع جواه، هل مابقاش فيه خير في الدنيا؟ هل الفلوس بقت هي كل حاجة؟
حاول يقوم، بس ركبه كانت ضعيفة.
وفجأة قرب تامر تاني وهو ماسك قزازة كحول.
صرخ ريحتك مقرفة! إنت لمستني! ورش الكحول على وش الراجل العجوز. مقزز! مكانك
بره!
رفع رجله عشان يرزعه شلوت يخليه يزحف بره المول.
الحاج كمال غمض عينيه مستني الوجع.
بس الشلوت ماجاش.
بدل كده، حس بإيد بتمسك دراعه بقوة، كف دافي وخشن.
فتح عينيه.
كانت قدامه ست صغيرة، جسمها نحيف، ولابسة زي عاملة نظافة، كانت ماسكة دراع الحاج كمال بإيدها الشمال، ومانعة بإيدها اليمين رجل المدير تامر.
اسمها منال، عاملة بسيطة بتشتغل عشان تأمن علاج أمها.
صرخت منال بصوت بيترعش بس حازم بس! يا أستاذ تامر! ما تضربوش! ده راجل عجوز!
الكل ذهل، عاملة نظافة بتهزأ المدير؟
تامر قال بغضب وهو بيسحب رجله منال! إنتي بتعملي إيه؟ سيبي الزبالة دي!
ردت وهي بتساعد الحاج كمال يقوم ده إنسان يا سيدي! أب لحد، لو كان وسخ فتنظيف الأرض شغلي، بس أذية الناس مش في شغلنا.
وقفت منال العجوز برفق، ومسحت الأوساخ عن دراعه بمنديلها الخاص.
سألته بلطف إنت كويس يا حج؟ ما تخافش، أنا هنا.
بص الحاج كمال في عينيها، شاف الخوف، الخوف من فقدان شغلها، بس الرحمة كانت أقوى، ده اللي كان بيدور عليه.
صرخ تامر منال! عشان اللي عملتيه ده أنتي مطرودة! سلمي الكارنيه بتاعك واخرجي مع الشحات ده! إنتوا الاتنين زبالة!
دمعت عيون منال، كانت محتاجة الشغل، بس ما قدرتش تسيب العجوز.
خلعت الكارنيه بتاعها ورمته على الأرض.
قالت بهدوء ماشي يا سيدي، إيه قيمة الشغل لو خسرت روحي؟
سندت دراع الحاج كمال وقالت يلا يا حج، هشتريلك أكل من المطعم الشعبي اللي بره، لسه معايا شوية فلوس.

مشيوا وهما بيبعدوا، بينما كان تامر والناس بيضحكوا وبيتكلموا عليهم.
صرخ تامر مع السلامة بلا رجعة!
وعندما اقتربا من بوابة الخروج الزجاجية حيث كان ضوء النهار يتسلل من الخارج ويصطدم ببرودة الرخام اللامع، توقف الحاج كمال فجأة. كان جسده المتعب قد اعتاد الألم، لكن هذه الوقفة لم تكن بسبب ضعف في الساق أو إرهاق في القلب، بل لأن لحظة فاصلة كانت قد نضجت في داخله.
قال بصوت هادئ لكنه حاسم
يا بنتي، تمهلي لحظة.
التفتت منال إليه بسرعة، وقد ظنت أن ما تعرض له أثقل على جسده مما بدا.
قالت بقلق صادق
هل تؤلمك قدمك أم تشعر بدوار؟ نستطيع الجلوس قليلا قبل الخروج.
ابتسم الحاج كمال ابتسامة خفيفة، تلك الابتسامة التي لا يطلقها إلا من حسم أمرا داخليا لا رجعة فيه.
قال
لا يا بنتي، لا شيء يؤلمني الآن، أريد فقط أن أعيد لك كارنيهك.
تجمدت منال في مكانها، ونظرت إليه بعدم فهم.
قالت بدهشة ممزوجة بالانكسار
لكن كارنيهي عند المدير، لقد طردت، الأمر انتهى.
هز الحاج كمال رأسه ببطء، وكأنما ينفي واقعا لم يعد يعترف به.
قال بصوت منخفض لكنه نافذ
لا، لم ينته شيء بعد، لأنني أنا
من يقرر من يطرد ومن يبقى.
وقبل أن تتمكن منال من طرح أي سؤال آخر، أدخل الحاج كمال يده في جيب بنطاله البالي وأخرج صفارة ذهبية صغيرة لامعة، على غير المتوقع، بدت نشازا وسط مظهره المتسخ.
رفعها إلى فمه واستجمع ما بقي في رئتيه من هواء وأطلق صفيرا قويا حادا اخترق ضجيج المول كالسهم.

لم تمر سوى ثوان معدودة، لكنها كانت كافية لتغيير ميزان المكان بأكمله.

تم نسخ الرابط