عفشي أولى بيا
والأطباق، والأجهزة.
سألني بقالك قد إيه ساكنة هناك؟
قلت له أربع سنين.
والشقة كانت متأجرة مفروشة؟
قلت له لأ.
فيه أي قائمة منقولات مكتوبة للعفش اللي بيملكه صاحب الملك؟
لأ.
هز رأسه وقال تمام.
مقلش كتير بعدها، بس مكنش محتاج يقول. لما مشيوا، كنت عارفة إن التمثيلية بتاعتهم فشلت. تهديد بابا خبط في الورق الرسمي.
المفروض الموضوع كان يخلص هنا.
لو مع ناس طبيعيين، كان فعلاً هيخلص.
بس عيلتي مكنتش طبيعية لما الموضوع يوصل لراحة مارثا. بعد أسبوع جالي إخطار إن بابا رفع قضية في محكمة المطالبات الصغيرة، بيتهمني فيها بسرقة ممتلكات، وعدم تقديم إخطار كافي، وتعويضات عن خروجي من الشقة.
قريت الشكوى مرتين.
وبعدين ضحكت.
مش عشان هي تضحك بجد، لكن عشان هما هما مبيتغيروش. طول عمرهم بيعتمدوا على الضغط، والذنب، والثقة الزيادة. لو طريقة فشلت، بيغيروا هدومهم ويجربوا تانية.
المرة دي عايزينها محكمة.
ماشي.
قضيت الأسبوعين اللي بعدها بنظم كل حاجة بدقة أكبر. طبعت إخطار الإيميل بتاعي بالوقت والتاريخ. جبت تأكيد استلام البريد المسجل. كبّرت بند العقد اللي بيقول إن الإيجار بيتجدد شهر بشهر. رتبت الوصولات حسب الأوضة. وطبعت سكرين شوتس لرسايل بابا وماما وهما معترفين إن مارثا سكنت وإن الإيجار هيزيد عشانها.
بعدين أخدت إجازة من شغلي ورحت المحكمة.
مارثا جت لابسة كأنها رايحة تعمل أوديشن لتمثيل دور الضحية المظلومة رقم 3. ماما كان باين على وشها إنها قرفانة من المبنى كله. وبابا كان لابس أحسن بليزر عنده، وماشي بمنتهى الثقة بتاعة واحد عاش سنين مقتنع إن نبرة
لما ندهوا على القضية، هو اللي اتكلم معظم الوقت.
ادّعى إني هجرت الشقة. وادّعى إن الشقة كانت بتتعامل كأنها مفروشة. وادّعى إني اتصرفت بغل عشان أعاقب أختي وهي في ظروف صعبة. استخدم جملة ترتيب عائلي مرتين، وكأن الحنية ممكن تعيد كتابة حقوق الملكية.
لما جه دوري، وقفت ومعايا الدوسيه وشرحت للقاضية الحقائق بالظبط.
عقد إيجار شهري. إخطار مكتوب. مفيش عقد جديد اتمضى. مفيش قائمة منقولات. ومعايا وصولات لكل قطعة عفش شلتها.
وريتها رسايل أمي عن زيادة الإيجار عشان ساكنة زيادة. وصور وفيديو بيبينوا إن الشقة كانت نضيفة وزي الفل وأنا ماشية.
القاضية، ست في الستينات ولابسة نضارة قراية على طرف مناخيرها، سمعت من غير ما تقاطع. طلبت تشوف الرسايل. طلبت تشوف العقد. وسألت بابا لو الشقة كان متسجل في الورق إنها مفروشة.
تردد.
التردد ده كان أول حاجة صادقة أشوفها منه من سنين.
اعترف وقال مفيش قائمة مكتوبة يا سيادة القاضية.
قالت له يبقى على أي أساس بتدّعي إن العفش اللي اتشال ملكك؟
بص لمارثا، وبعدين لماما، وبعدين بص للقاضية تاني ده كان شيء مفهوم ضمناً.
القاضية بصت لوصل الكنبة وقالت مفهوم لمين بالظبط؟
ملقاش رد يصمد قدام الحقيقة.
القضية باظت منهم بسرعة بعدها. القاضية رفضت دعواه. وقالت بنبرة فيها عدم رضا واضح، إن رسايله هو شخصياً بتبين إنه حاول يفرض نظام مادي جديد وسكن مشترك من غير موافقتي. ملقيتش خطبة درامية، مش محتاجة.. الرفض كان كفاية.
بس فيه جملة فضلت معلقة في دماغي.
وهي بتسلم الحكم، بصت لبابا وقالت له تأجير
وش أمي اتشنج لدرجة إني خفت سنانها تتكسر.
مارثا قعدت تعيط في الطرقة بعدها وقالت إني دمرت حياتها.
قلت لها لأ.. أنا بس بطلت أمولها.
ودي كانت آخر جملة كاملة قلتها لها في حياتي.
الشهور اللي بعد كده كانت أهدى من أي وقت عرفته من سنين.
في الأول أهلي حاولوا يوصلوا لي. الطرق كانت بتتغير ذنب، غضب، ذكريات قديمة، اتهامات، وصعبنيات. أمي قالت إن العيلة اتقطعت عشان خاطر عفش، ودي كانت طريقة سهلة عشان تهرب من الحقيقة.. وهي إني رفضت أكون مطيعة بالإكراه. بابا بعت إيميل أخير بيقول فيه إنه يتمنى أكون مقدرة الدمار اللي سببته.
رديت مرة واحدة بس
الدمار حصل من زمان قبل ما أمشي.. أنا بس بطلت أمثل إن الدنيا تمام.
وبعدين عملت لهم بلوك.
القرايب قعدوا ينقلوا الحكاوي شوية. عرفت إن مارثا رجعت تعيش في بيت أهلي لأن فرش الشقة طلع غالي عليهم. أمي كرهت قعدتها معاهم طول الوقت. وبابا بدأ يشتكي إن مارثا بتنام للظهر وبتكركب الحمام بالمكياج بتاعها. واضح إن الترتيب ده بقى مستحيل يستمر خلال شهرين بس.
مش هقدر أقول إن الخبر ده زعلني.
شقتي القديمة فضلت فاضية نص سنة. أهلي عرضوها للإيجار، بس السكان مظهرتش بالسرعة اللي توقعوها. السوق اتغير. العمارة كانت محتاجة تجديدات. والشقة كان شكلها أصغر من غير عفشي، وال فرش عشان يفرشوها ويجملوها كان هيكلفهم فلوس مش عايزين يدفعوها.
في الآخر، باعوها.
الخبر ده وصلي عن طريق خالة من خالاتي كانت فاكرة إني هحس ب
بس اللي حسيته كان حاجة تانية خالص.
راحة.. في الأغلب.
لأن الشقة عمرها ما كانت هي الموضوع.
الموضوع كان إني قضيت سنين فاكرة إن القرب هو الأمان. كنت فاكرة إن عشان الحاجة جاية من أهلي، يبقى هي أضمن وأعقل وأحسن. بس التبعية لما تتغطى ب الكرم بتفضل برضه تبعية. والناس اللي بتستفيد من طاعتك، دايماً هيسموا حدودك قسوة.
في السنة اللي بعدها، شغلي اتحسن. مش بين يوم وليلة، بس بانتظام. النوم بيساعد. الهدوء بيساعد. وإنك تبقى عارف إن خزينك هيفضل في الثلاجة بيساعد أكتر مما أقدر أشرح. أخدت ترقية. بدأت أشوف صحابي أكتر. اشتريت سفرة لشقتي الجديدة حبيتها أكتر من القديمة بكتير.
في أيام السبت، بقيت أشرب قهوتي براحتي بدل ما أكون مستنية حد يقطع خلوتي.
أحياناً بفتكر اللحظة اللي كنا فيها على تربيزة المطبخ وبابا بيزق العقد الجديد وهو مبتسم وكأني معنديش حل تاني.
كان غلطان.
الابتسامة دي كانت معتمدة على نسخة مني مبقتش موجودة خلاص.
في يوم الصبح، بعد سنة تقريباً، صحيت قبل المنبه في شقتي الجديدة اللي اشتريتها بفلوسي. الشمس كانت داخلة من الشيش وعاملة خطوط فاتحة على الأرض. المكان هادي. الموبايل ساكت. مفيش حد بيرزع على الباب. ومفيش حد مستني مني أرتب حياتي على مزاجه قبل ما أشرب القهوة.
فضلت نايمة دقيقة، بسمع اللاشيء.
كان أجمل صوت سمعته في حياتي.
قمت، عملت قهوتي، ومشيت حافية على أرض ملكي بالكامل.
مش عشان أهلي سمحوا لي.
ولا عشان فضلت مطيعة عشان أحافظ عليها.
لكن عشان أنا اخترت نفسي، قبل ما يلبسوني حمل جديد ويسموه حب.
ده كان القرار
وهو ده القرار اللي رجع لي حياتي أخيراً.