عفشي أولى بيا

لمحة نيوز

قبل ما أكتب له إنها مشكلة عائلية مؤقتة.
كلمة مؤقتة دي كلمة شكلها غلبان، لحد ما تكتشف إن مفيش حد غيرك بيعد الوقت.
لما كنت بشتكي لأهلي، كانوا بيحسسوني إني بسقط في اختبار الأخلاق.
ماما تقول نفسيتها تعبانة، وبابا يزود هي محتاجة دعم.
ومارثا قالت لي ليلة أنتي دايمًا ناشفة كده، عشان كده الناس شيفاكي باردة.
بصيت لها بذهول الناس؟ ولا أنتي؟
ابتسمت ببرود أحياناً بيبقوا هما الاتنين واحد.
بعد تلات أسابيع، بابا جه بعد العشا ومعاه دوسيه أصفر.
التفصيل ده لسه بيحرق دمي. مش الدوسيه في حد ذاته، لكن البرود والثقة. دخل شقتي كأنه مدير داخل غرفة اجتماعات، قعد على تربيزتي، وطلع ورق متدبس وزقه ناحيتي.
قال أهو.. عقد إيجار جديد. مارثا اتضافت كساكنة، والإيجار بقى بيعبر عن السكن المشترك.
خدت الورقة وقريتها في صمت.
المبلغ كان تقريباً الضعف. وفيه بند جديد عن السكن المشترك، ومفيش تاريخ لانتهاء قعدة مارثا عندي. وكلام عن توقعات التعاون اللي كان ممكن يبقى مضحك لو ماكنش مهين للدرجة دي.
بصيت له أنت عايزني أمضي على ده؟
قال بابا وهو بيبتسم أيوه.. والنهاردة.
مارثا، اللي كانت قاعدة على الكنبة بتقلب في موبايلها، طلعت ضحكة واطية فيها شمت من غير ما ترفع عينها.
حطيت الورق بالراحة وقلت لأ.
تعبيرات وش بابا اتغيرت نعم؟
مش هتمضي على ده.
سند ضهره على الكرسي وقال يا إيما، أنتي معندكيش اختيارات كتير. لو عايزة تقعدي هنا، هو ده الاتفاق.
حاجة جوايا هديت فجأة.
مش هدوء استسلام، ولا هدوء زعل.
ده الهدوء اللي بيسبق العاصفة.
بصيت له وقلت أو ممكن ببساطة أعزل.
مارثا المرة دي ضحكت بصوت عالي.
وبابا ضحك هو كمان.
دي اللحظة اللي كل حاجة اتغيرت فيها بالنسبة ليمش بسبب اللي قاله، لكن عشان الطريقة اللي ضحك بيها. ضحك وكأن الفكرة مستحيلة. كأني
معتمدة عليهم تماماً، وماليش غيرهم، ومضمونة لدرجة إني مستحيل أعمل كده.
ضحكوا وكأن الطاعة جزء من عقد الإيجار.
ابتسمت لهم.. وما قلتش حرف تاني.
ليلتها، بعد ما مارثا نامت والشقة هديت، فتحت اللاب توب وبدأت أخطط.
لقيت شقة تانية في الناحية التانية من المدينة، في عمارة أغلى بس فيها حاجة كنت هموت عليها المسافة. قدمت الطلب الساعة 1140 بالليل. وتاني يوم على الغدا جالي الرد بالموافقة. مضيت العقد أونلاين وأنا في المكتب وكنت عاملة نفسي براجع ورق شغل.
بعدين بدأت أشتغل بذكاء.
حجزت شركة نقل. وأجرت مخزن صغير احتياطي لو الشقة الجديدة ما استوعبتش كل الكراتين مرة واحدة. حولت اشتراكات المرافق، وغيرت عنواني في البوسطة. عملت نسخة من كل كشف حساب بنكي يثبت إني شريت العفش. نزلت رسايل التأكيد من إيميلي القديم. لقيت وصل الكنبة، والسرير، والسفرة، والأباجورات، والمكتب، والسجاد، وحتى الميكروويف، وتربيزة التلفزيون، ومراية النحاس اللي مارثا كانت بتحب تتصور فيها سيلفي.
وطلعت عقد إيجاري القديم.
الورقة الأصلية ماكنش فيها أي سيرة إن الشقة مفروشة. ولا سيرة عن سكن مشترك، ولا أي شرط إني لازم أشيل أهلي لما يقرروا يزوروني. عقد الإيجار كان بيتجدد شهر بشهر بعد أول سنة. قانونياً وعملياً، الحاجة الوحيدة اللي كانت ربطاني بالمكان هي ترددي.
فشلت التردد ده كمان.
بعت إخطار مكتوب بالإيميل وبالبريد المسجل إني هنهي تعاقدي آخر الشهر. بابا ما ردش. أمي ردت بس بكلمة بلاش دراما.
وده كان الرد المثالي.
سيففت الرسالة دي هي كمان.
وبعدين استنيت.
بعد أسبوع، الظروف خدمتني. أهلي ومارثا ونص العيلة كانوا مسافرين عشان خطوبة ابن عمي يوم السبت. مارثا قضت الأسبوع كله تتكلم عن الفستان اللي هتلبسه. ماكنتش تعرف إني رتبت خروجي كله بناءً على منظرتها.

أول ما مشيوا، بدأت الخطة.
العمال وصلوا الساعة تمانية بالظبط. كنت أصلاً ململمة هدومي، وملفات شغلي، وعدة المطبخ والحمام، والكتب، وكل الأجهزة في كراتين ومخبيها عند صاحبتي. اللي فضل كان العفش التقيل. الحاجات اللي باينة. الحاجات اللي كل عيلتي بدأت تتعامل معاها كأنها جزء من الشقة.
مش عشان هي جزء منها، لكن عشان كان أسهل ليهم ينسوا إنها ملكي.
على الظهر، كانت أوضة النوم.. ع البلاط.
على الساعة تلاتة، الصالة بقى ليها صدى من الفضا.
على خمسة، مكنش فاضل غير الأجهزة الكهربائية الأساسية.
مشيت من أوضة لأوضة وأنا بصور فيديو. حيطان نضيفة، أرضيات مكنوسة، دواليب فاضية. مفيش أي تخريب، ومفيش أي لخبطة. حطيت المفاتيح على رخامة المطبخ وجنبها رسالة قصيرة.
كان مكتوب فيها ببساطة إني أخليت المكان، وشلت ممتلكاتي الشخصية، ومستنية أي تواصل جاي يكون كتابةً.
وبعدين مشيت.
الهدوء في شقتي الجديدة ليلتها كان يحسسك إنك في حلم. مش عشان هي فخمةهي مكنتش كده أصلاً. كانت أصغر في المساحة والمطبخ كان قديم شوية. بس لما حطيت مفاتيحي على الرخامة، مكنش فيه حد تاني معاه نسخة منها. لما قعدت على كنبتي، كنت قاعدة في صالتي أنا. لما فتحت الثلاجة، كل اللي فيها بتاعي وهيفضل موجود مكانه للصبح.
الساعة 817 بالليل، موبايلي بدأ ينفجر.
الأول مارثا.
بعدين ماما.
بعدين بابا.
وبعدين التلاتة مع بعض تاني.
الرسايل الصوتية نزلت ورا بعضها بسرعة لدرجة إنها كانت شبه تهنيج في الموبايل. أول كام رسالة كانوا صدمة وعدم استيعاب. اللي بعدهم كانوا غضب وزعيق. لما رديت أخيراً على مكالمة بابا، الخوف اللي في صوته اتحول لحاجة أبرد وأقسى.
زعق وقال فين العفش كله؟
قلت له ده بتاعي.
السكوت اللي حصل على الخط كان رهيب. كنت سامعة مارثا في الخلفية بتعيط وأمي بتسأل أنا
عملت إيه.
بعدين بابا قال ببطء شديد تمام.. يبقى هنتعامل مع الموضوع ده بطريقة تانية. يا رب تكوني شلتِ الوصولات بتاعتك.
بصيت حواليا في صالتي الجديدة، على الكرتونة اللي على الأرض ومكتوب عليها أوراق ومستندات.
قلت له شلتها.
وقفل السكة.
تاني يوم الصبح، أمي بعتت لي رسالة طويلة عريضة بتتهمني بالقسوة، والأنانية، والخيانة، وإن عيني وحشة. قالت إن مارثا معندهاش مكان تنام فيه. قالت إني فضحت العيلة. قالت إن الناس الطبيعيين مبيفضوش شقة ع البلاط عشان ينتقموا.
رديت عليها بجملة واحدة
أنا شلت حاجتي من سكن أخليته قانونياً بعد ما بعت إخطار كتابي.
وبعدين بطلت أرد خالص.
بعد تلات أيام، خبطوا على بابي الجديد.
المرة دي مكنش رزاع.
كانوا اتنين عساكر بوليس.
كنت متوقعة حاجة زي دي من ساعة تهديد بابا، فكنت أهدى بكتير من اللي المفروض أكون عليه. واحد من العساكر شرح لي إن فيه بلاغ بخصوص عفش وممتلكات اتشالت من شقة إيجار. وسألني لو مفيش مانع أرد على كام سؤال.
عزمتهم يدخلوا.
العسكري الكبير بص بصه سريعة على الكراتين اللي لسه مرصوصة جنب الحيطة، ورفوف الكتب اللي لسه بتتركب، والأباجورة المسنودة على الكنبة ومستنية تتجمع.
سألني أظن هو ده العفش اللي عليه الكلام؟
قلت له جزء منه، أيوه.. ومعايا الوصولات.
رفع حواجبه شوية، مش بشك، لكن بنوع من التعب اللي بيجي لواحد فاهم هو داخل في خناقة عائلية شكلها إيه.
طلعت له الدوسيه.
وصولات. كشوف حساب بنكية. تأكيدات استلام دليفري. صور للشقة على مدار السنين وهي بتبين العفش وهو بيوصل. عقد الإيجار. الإخطار الكتابي اللي بعته. رسالة أمي عن تضاعف الإيجار عشان مارثا. عقد بابا الجديد اللي متمضاش. وفيديوهات للشقة وهي فاضية ونضيفة قبل ما أسلمها.
العسكري الصغير اهتم أكتر لما شاف العقد القديم والإخطار.

الكبير قعد يقلب بالراحة في وصولات الكنبة، والسرير، والسفرة، والمكتب، والسجاد،
تم نسخ الرابط