عفشي أولى بيا
الخبط بدأ الساعة سبعة الصبح بالظبط، نوع الخبط البواخ اللي فيه عنجهية وبيخليك تنط من السرير وأنت لسه حتى مش واعي لنفسك.
فضلت باصة للسقف ثانية وأنا مش مجمعة، مستنية عقلي يستوعب اللي بيحصل. المنبه بتاعي كان المفروض يرن 730. أيام التلات دي من الأيام اللي بشتغل فيها من البيت، وكنت بحافظ على روتين الصبح ده جداً لأن حياتي أصلاً كانت ضاغطة عليا، فكنت محتاجة نظام. محتاجة قهوة قبل ما أتكلم مع حد، ومحتاجة هدوء قبل الاجتماعات.
الخبط جه تاني، وبرزاعة.
شلت البطانية وجررت نفسي في الطرقة بتيشرت واسع وشورت، وبصيت من العين السحرية.
في الأول ملمحتش غير شنطة سفر.
وبعدين واحدة تانية.
وبعدين وش أختي مارثا.
أول ما فتحت الباب، ابتسمت وكأنها جاية تفطر معايا مش جاية تقتحم شقتي على الفجر. قالت لي وهي بتزق أول شنطة جوه قبل ما أنطق بكلمة أهلاً يا أختي.. مفاجأة! أنا هقعد معاكي شوية.
وقفت حافية، سقعانة ومش فاهمة حاجة، وأنا شايفة الشنطة التانية داخلة ورا الأولى، وبعدين شنطة اليد، وبعدين مارثا نفسها وهي بتعدي العتبة وداخلة على الصالة عدل.
قلت لها وصوتي لسه فيه نوم مارثا.. أنتي بتعملي إيه؟
رمت نفسها على الكنبة وطلعت زفير درامي أنا ومارك سبنا بعض، خانني مع زميلته. ومديري كان شخص مستحيل، فاستقلت.
برقت لها استقلتي من شغلك؟
قالت بمنتهى الثقة وكأنها عمرها ما دفعت ثمن غلطة عملتها مش هقعد في بيئة عمل سامة وأنا قلبي مكسور.
دي مارثا في جملة واحدة. عمرها ما بتشيل نتيجة أفعالها لأن دايماً فيه حد بيتدبس عشان يلم وراها. وغالباً، الحد ده بيبقى أنا.
قبل ما أقول حرف كمان، موبايلي رن. ماما.
جالي إحساس ساقع في جسمي كله. مارثا توصل الساعة سبعة الصبح بشنط هدومها دي
رديت وأنا في المطبخ، وعارفة إني هسمع أوامر بخصوص حياتي هتمشي إزاي.
أمي سألتني أختك عندك، صح؟
قلت لها أيوه.. يا ماما هو فيه إيه؟
ردت عليا بحدة هي محتاجة دعم العيلة دلوقتي. أنتي هتخليها تقعد عندك لحد ما تقف على رجلها تاني.
بصيت من شباك المطبخ، الدنيا بره كانت لسه مغيمة ومبلولة من مطر الفجر. المنظر كان عادي وكئيب، وده اللي خلاني أحس إن الموقف مش حقيقي.
قلت لها ماما، دي شقة أوضة وصالة، مفيش مكان.
قالت لي عندك كنبة.. ومن الشهر الجاي إيجارك هيتعدل عشان يغطي التكلفة الزيادة.
سألتها بذهول يتعدل؟ قصدك يتضاعف؟
قالت لي لو ده المطلوب.. متبقيش أنانية يا إيما، الأهل لازم يشيلوا بعض.
الجملة دي طاردتني طول حياتي. الأهل بيشيلوا بعض.
عملياً، كان معناها إن المطلوب مني أكون مرنة، كريمة، صبورة، عاقلة، متفهمة، مضحية، وبصلي وبسكت. لكن عمرها ما كان معناها إن مارثا لازم تكون مسؤولة، ولا إن أهلي لازم يكونوا عادلين.
لما كنا أطفال، مارثا كانت...
لما كنت صغيرة، مارثا كانت تكسر الحاجة وتقعد تعيط، فكانوا يقولوا لي معلش ما تضايقيهاش أكتر من كده. ولما بقينا مراهقين، كانت تستلف هدومي وترجعها مبقعة، وأمي تقول لي بلاش تفاهة. ولما كبرنا، بقت تسيب الشغل بعد أي خناقة هبلة، وتغرق في الديون، وتغير في حبايبها والبدايات الجديدة، وأهلي لسه بيقولوا عليها حساسة، ومبدعة، ومحدش فاهمها.
أما أنا، فكنت دايمًا اللي بياخد المدح عشان أنا راسية.
وكلمة راسية في عيلتنا دي، معناها إنسانة خدومة ومصلحة.
أهلي هما اللي بيملكوا الشقة اللي مأجرينها لي. من أربع سنين، لما كنت بحاول أهرب من سكن مع زميلة وحشة وبحوش لمقدم شقة ملكي، عرضوا عليا
لكن مع الوقت اكتشفت حاجة مهمة حتى الإيجار الرخيص مش خدمة لما أهلك يستخدموه كأنه لجام بيحركوك بيه.
كنت بدفع في ميعادي كل شهر. بدفع النور والمية والنت والخزين، وكل قطعة عفش في المكان. الكنبة اللي مارثا ممددة عليها؟ بتاعتي. السفرة اللي في الركن؟ بتاعتي. السرير، الأباجورات، السجاد، ماكينة القهوة، التلفزيون، عدة المطبخ، حتى البراويز اللي على الحيطانكله بفلوسي. أهلي قدموا لي أربع حيطان وأجهزة العقد، لكن كل حاجة خلت الشقة دي تنفع تتسكن كانت من عرقي وتعبي.
ومع ذلك، كانوا بيتكلموا كأني طفلة عايشة تحت رحمتهم.
قلت لماما أنا مش موافقة أدفع لمارثا عشان تعيش هنا.
صوتها بقى حاد فوراً أنتي أصلاً قاعدة في مكان أنا وأبوكي نقدر نأجره بأغلى من كده بكتير. بلاش تضغطي في الموضوع ده. ولا تحبي أبعتلك أبوكي بالورق؟
ده كان أسلوبهم. مش نقاش.. ضغط. مش طلب.. فرض أمر واقع.
بصيت للصالة. مارثا قلعت جزمتها، وفتحت واحدة من شنطها، ومكواة شعرها محطوطة على تربيزة القهوة بتاعتي.
كان ممكن أعافر أكتر وقتها، ويمكن كان لازم أعمل كده. بس كنت واقفة لسه نص نايمة، ورايا شغل، وأختي في شقتي وأمي بتتعامل مع الموضوع كأنه خلصان.
فقلت الجملة اللي اتعودت أقولها طول عمري ماشي.. حالياً.
صوت أمي هدي فوراً دي بنتي العاقلة.
وقلفت السكة.
أول أسبوع، كنت بضحك على نفسي وأقول إن الموضوع مؤقت.
مارثا نامت على الكنبة أول ليلتين، مع إنها ما بطلتش شكوى من غطايا، ومخداتي، ودوشة الشارع، وريحة المسحوق بتاعي، وحتى من حركة رجلي
يوم الجمعة، رجعت من الشغل لقيت نص هدومها متعلقة في دولابي.
سألتها أنتي نقلتي حاجتك هنا؟
ولا حتى اتكسفت الشماعة اللي بره بتتهز.
عشان هي مش معمولة تشيل دولاب كامل يا مارثا.
هزت كتافها أصلاً أنتي مابتكونيش موجودة في البيت غير قليل.
الموضوع حصل كده.. مش هجوم واحد كبير، لكنه كان سلسلة من الاحتلالات الصغيرة اللي كبرت فوق بعضها لحد ما بصيت حواليا واكتشفت إن شقتي مابقتش شبهي.
بتاكل أي حاجة بشتريها وما بتعوضهاش. بتعزم صحابها من غير استئذان. بتستعمل مكياجي، الشامبو بتاعي، وفوطي الغالية، وال سيرم اللي كنت محوشة تمنه. شالت صورتي بتاعة التخرج وحطت صورتها هي ومارك وهما بيشربوا في بار. بوظت الرينج لايت بتاعي وسابته مرمي في الأرض. غيرت نظام المطبخ عشان ال ليبلز اللي حطاها، على حد قولها، منظمة بزيادة ومستفزة.
بعدين شغلي بدأ يتأثر.
أنا منسقة مشاريع في شركة سوفت وير طبي، يعني يومي كله مواعيد وتفاصيل وطوارئ ناس تانية. كان ليا سمعة إني هادية تحت الضغط، والمديرين بيثقوا فيا إني بلملم المواضيع.
بس صعب تفضل مركز وأنت مش عارف تنام، وأكلك بيتسرق، وبتضطر تقفل المايك في اجتماعات مع عملاء عشان أختك اللي مابتشتغلش بتصور ريفيو لمنتجات بشرة على بعد مترين منك.
يوم أربع الصبح، مارثا دخلت المطبخ وأنا في اجتماع مهم وبدأت تشغل الخلاط عشان تعمل مشروب بروتين وأنا بشرح عرض توضيحي. الصوت كان عالي لدرجة إن تلاتة من اللي في الاجتماع سكتوا.
قفلت المايك وهمست لها بغل أنتي بتعملي إيه؟
قلبت عينيها عايشة؟ معلش إني بضايق الشركة بتاعتك.
بعدها بشوية مديري