لقيت دوا حماتي في أوضة بنتي
لما سمعت سيرة الإسعاف بدأت تعيط بشهقات تقطع القلب، طلعت جنبها على السرير وحضنتها.
ماما.. أنا وحشة؟ سألتني وهي دافنة وشها في حضني.
لأ يا حبيبتي.. إنتي اتضحك عليكي، وده ذنبهم هما مش ذنبك.
حسين كان واقف في الركن وحاطط إيده ورا راسه، وكأنه مستني الحيطة تقع عليه.
في المستشفى، الأجواء كانت صعبة، خراطيم وأجهزة قياس ضغط وتحاليل دم. دكتور السموم شرح لنا إن الخطر كان ممكن يبقى أكبر لو الجرعة كانت مركزة، بس حماتي كانت بتديها حباية واحدة كل يوم، وده خلى السم يتسرب في جسمها ببطء ويستخبى ورا الهدوء اللي كانت فيه.
حسين حاول يكلم أمه ست مرات، ومردتش. في المرة السابعة، الظابط كلمنا من بيتنا وقال إنه لقاها في أوضة الضيوف بتلم شنطتها وحاطة فيها لبس من بتاع ليلى!
قالت للظباط إنها كانت بتساعد عشان البنت شقية زيادة عن اللزوم وأنا عاطفية بزيادة ومش عارفة أربي. وبعدين غيرت كلامها وقالت دي فيتامينات، وبعدين قالت إن حسين كان عارف وموافق.
الظباط لقوا في شنطتها نوته صغيرة، كانت كاتبة فيها باليوم والساعة
نامت بعد 18 دقيقة.
مغلبتنيش في العشا.
بقت هادية وجميلة النهاردة.
دخلت الحمام بتاع المستشفى ورجعت من كتر القرف. حسين جه ورايا وقالي بصوت مكسور يا رانيا..
لفيت له وصرخت فيه
مخبيش عليا وقال قولت لها إني تعبان، وإن نومها صعب.. بس عمري ما قولت لها تصرفي أو اعملي حاجة.. عمري ما تخيلت..
رديت عليه هي دي المشكلة.. إنك مفكرتش.
قعد على الأرض وحط إيده على وشه وفضل يعيط بحرقة.. عمري ما شفته كدة، ولا حتى لما والده توفى.
ولما نطق، كلامه كان مرعب أخويا مكانش مجنون.. أمي بس مكنتش بتطيق الدوشة. من وقت ما أبويا سابنا وهي بتمشي كل حاجة بالدواء.. أخويا، والكلب، وحتى نفسها. لما المستشفى كتبوا لأخويا الدواء ده زمان، كانت بتوصفه إنه معجزة عشان البيت بقى هادي.
بصيت له بصدمة.. بقالنا 7 سنين متجوزين، أعرف إن أخوه بعيد عنهم، بس عمري ما عرفت السبب ده.
سألته ليه مقولتليش؟
رد عشان كل ما كنت بحاول، كنت بحس إن الكلام مجنون وميتحكيش.. ولأني لو قولت كدة، يبقى أنا اللي سمحت لها تدخل بيتنا وتدمر بنتنا.
دي كانت الحقيقة. هو مش مجرم زيها، بس شال ذنب إنه سكت.
النيابة أمرت بحبس هنية بتهمة تعريض حياة طفلة للخطر. والظباط لقوا رسايل متمسحة من تليفونها، منها رسالة كانت كاتباها لحسين ومبعتتهاش، لسه معرفش فيها إيه بس أكيد هعرف في الجلسة.
لما رجعنا البيت، ليلى كانت خايفة تنام. قالت لي أنا خايفة أغمض عيني وأبقى بعمل اللي الحباية
الموضوع مخلصش هنا، بدأنا رحلة علاج نفسي لليلى وحسين كمان بدأ جلسات علاج لوحده. هنية حاولت تكلمني من السجن وسابت لي رسالة صوتية بتقول فيها بكل برود يا رانيا إنتي مكبرة الموضوع.. البنت كانت محتاجة اللي يهديها عشان تعرف تعيش في وسطنا، وبكرة تشكريني إنها بقت هادية ومطيعة.
مسحت الرسالة وبعتها للمحامي.
يوم الجلسة كان أصعب يوم مر علينا. وقفت هنية قدام القاضي بوش خالي من أي تعبير، وكأنها مش شايفة بنتها اللي لسه بتخاف تنام لوحدها، ولا شايفة ابنها حسين اللي كان واقف في ركن القاعة ووشه في الأرض من الخزي.
المحامي بتاعي قدم النوتة الزرقاء اللي لقتها الشرطة كدليل إدانة، وقدم كمان تفريغ الرسايل اللي كانت ممسوحة من تليفونها. والمفاجأة كانت في الرسالة اللي مبعتتهاش لحسين، كانت كاتبة له فيها يا حسين، إنت مش هتعرف تربي البنت دي لوحدك، ورانيا دلوعة وبوظتها. أنا خلاص بدأت أديها الحاجة اللي كانت بتخلي أخوك هادي زي الملاك. بكرة تشكرني لما تلاقي بيتك بقى جنة ومفيهوش صداع.
الرسالة دي كانت القشة اللي قطمت وسط الدفاع بتاعها؛ لأنها أثبتت سبق الإصرار، وإنها عارفة كويس إن الدواء ده مخصص لحالات نفسية معينة وممكن
بس حسين لأول مرة في حياته رد عليها بقوة وقال لها إنتي اللي خربتي كل حاجة من زمان يا أمي.. والنهاردة بس عرفت ليه أخويا هرب ومبيسألش فينا.
رجعنا بيتنا، وكان لازم نبدأ من الصفر. كل علب الدواء في البيت بقت في خزنة برقم سري، حتى الفيتامينات. ليلى بدأت تتحسن، وبدأت تغني تاني في الحمام زي زمان، وصوت ضحكتها رجع يملا البيت دوشة.. دوشة أحلى من أي هدوء في الدنيا.
علاقتنا بحسين لسه فيها شرخ، بس هو بيحاول بكل قوته يعوضنا. بدأ يروح للدكتور مع ليلى، وبقى هو اللي بيقرأ لها الحواديت، بس المرة دي بدون أي أسرار وبدون أي تدخل من حد. أما أنا، فتعلمت درس عمري الأمومة مش بس حضن وطبخ، الأمومة هي عين مفتوحة وسط الراس. الأمان مش كلمة بنقولها، الأمان هو إننا نثق في إحساسنا لما نحس إن فيه حاجة غلط، حتى لو أقرب الناس لينا قالوا إننا مكبرين الموضوع.
دلوقتي، لما ليلى بتعمل شقاوة وتجري وتوقع حاجة،
ببتسم وببوس راسها، وبقول لنفسي الحمد لله إنها عايشة وشقية.. الوجع في الدوشة،