لقيت دوا حماتي في أوضة بنتي

لمحة نيوز

لقيت علبة دواء حماتي في أوضة بنتي.. والحقيقة طلعت أصعب بكتير.
دكتور نبيل خبط علبة الدواء البرتقالي على مكتب الكشف بكل قوته، 
سألني وهو مخضوض مين اللي بيدي طفلة عندها أربع سنين دواء هالوبيريدول؟ وليه العلبة كانت مستخبية في أوضتها؟.
بقالنا تلات أسابيع، وحماتي هنية قاعدة عندنا في بيتنا اللي على أطراف البلد عشان بتخف من عملية في ركبتها. كانت طول الوقت بتعرض تساعدني مع بنتي ليلى، تضفر لها شعرها، تقرأ لها حواديت قبل النوم، وتغطيها وكأنها بتعمل فيا جميل ملوش آخر.
كل يوم بالليل على الساعة تمانية، كنت بسمع صوت علبة تنظيم الدواء البلاستيك بتاعتها وهي بتتقفل في أوضة الضيوف.. وعمري ما شكيت في حاجة.
ليلى كانت بتبان دبلانة ونايمة على نفسها الفترة الأخيرة، ومرة قالت لي إن رجليها بتنمّل وبترعش من جوه، بس أنا قولت ده من حر الصيف واللعب طول النهار. دكتور نبيل، دكتور الأطفال بتاعنا اللي كلامه دايما هادي ويطمن، كان قايل لي قبل كده أكلمه لو حسيت إن فيه أي حاجة مش طبيعية.. وكنت طول الوقت بكدب عيني وأقول مفيش حاجة.
لحد ما كنت واقفة بخرط بصل في المطبخ، وليلى شدت طرف قميصي بإيديها الاتنين.
ماما.. هو ينفع مبطلش آخد الحبوب اللي تيتة بتديهالي كل يوم بالليل؟
السكينة

وقفت مكانها.. وريحة البصل والثوم خنقتني فجأة.
نزلت لمستواها، وحاولت أخلي صوتي هادي، وقولت لها تروح تجيب لي العلبة.
لما رجعت، كانت ماسكة علبة دواء برتقالي وضماها لصدرها وكأنها خايفة العلبة تعضها. اسم هنية كان مكتوب على العلبة.. جرعة كبار.. ونص الحبوب كانت مخلصة.
سألتها كانت بتاخد كام واحدة.
ليلى بصت في الأرض وقالت واحدة قبل ما أنام.. وبعدين كملت بصوت واطي تيتة قالت لي ده سر بينا، عشان إنتي بتزعلي من حاجات تافهة.
وده مكنش أصعب جزء في الموضوع.
كلمت عيادة الدكتور وإيدي كانت بتترعش لدرجة مش عارفة أمسك الموبايل. الممرضة أمل أول ما سمعت كلمتين من اللي حصل قالت لي هاتيها وتعالي حالا.
ليلى كانت بتعيط في العربية عشان فاكرة إنها عملت مصيبة. صوت حزام الأمان كان بيزيق وأنا بكرر لها ميت مرة إنها أشجع بنت في الدنيا عشان حكت لي.
أوضة الكشف كانت ريحتها مطهر. دكتور نبيل قرأ اللي مكتوب على العلبة ووشه اتخطف.
قال لي دي مش فيتامينات.. ده دواء أعصاب وتقيل جدا.
بدأ يكشف على عينيها ونبضها، وهو بيسألني كانت بتنام بدري؟ بتصحى تعيط؟ بتسرح كتير؟ مشيتها كانت مخشبة؟ مع كل سؤال كنت بحس بسكينة في قلبي.. لأن الإجابة كانت أيوة على كل حاجة.
يمكن حماتي كانت فاكرة إن البنت لما
تبقى هادية ونايمة البيت هيبقى أريح.. يمكن كانت عايزة تكسر كلامها وتسمي ده مساعدة.. مش عارفة أنهي سبب فيهم يوجع أكتر.
الأوضة سكتت خالص.
بعدها الدكتور نزل قدام ليلى وسألها تيتة قالت لك الحبوب دي بتاعة إيه؟ ليلى فضلت تفرك في هدومها لحد ما صوابعها ابيضت.
همست وقالت عشان أبقى شاطرة.
السيطرة مش حب.. السيطرة هي خوف متغلف في شكل مساعدة، ومحطوط لطفلة في غطا علبة دواء.
الدكتور سألها سؤال أخير براحة خالص.. ليلى بصت لي، وبعدين بصت له وقالت
تيتة قالت إنهم بيخلوني هادية ومسمعش صوتي.. عشان بابا يرضى يفضل قاعد معانا في البيت وميمشيش.
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
الممرضة كانت بتكلم الإسعاف، والدكتور كان بيمسك التليفون عشان يبلغ الشرطة.
في اللحظة دي، اسم جوزي ظهر على شاشة موبايلي.
المفروض إنه في شغله بعيد عننا، بس من شباك العيادة سمعت صوت عربية بتركن بسرعة برا. بصيت للعلبة اللي على المكتب وفهمت إن الشخص اللي هيدخل من الباب ده دلوقتي هو اللي هيعرفني.. هل حماتي عملت كده لوحدها ولا هما الاتنين مع بعض؟
باب عربية جوزي اتطربق قبل ما ألحق أرد على مكالمته.
حسين دخل أوضة الكشف وجزمته مليانة طين وعرقه ناشف على ياقة قميصه. شاف ليلى على السرير، والعلبة في إيد دكتور نبيل، وجسمه
كله اتخشب مكانه.
حصل إيه؟
رفعت العلبة قدام عينيه أمك كانت بتدي بنتنا دواء أعصاب وتقيل جداً.
شنطة أكله وقعت من إيده على الأرض، والعلبة اتفتحت والثلج جري تحت الكراسي. لثانية واحدة، كنت مركزة في ملامح وشه وبحاول ألمح أي ذرة ذنب.
بس اللي شفته كان رعب حقيقي.
وبعدها قال الجملة اللي قلبت كياني
هي سألتني الأسبوع اللي فات لو ليلى طول عمرها شقية ومتهورة كدة.. قولت لها إن وقت النوم ده بيبقى عامل زي الإعصار. كنت فاكرها هتديلها يانسون، فيتامينات، أي حاجة طبيعية.
دكتور نبيل وقف قدام حسين قبل ما يقرب من بنته، وسأله نفس الأسئلة عمرك شيلت العلبة دي لهنية؟ قال لأ. تعرف الدواء ده بتاع إيه؟ حسين رد وصوته مخنوق عرفته بس عشان أخويا الصغير كان بياخده من سنين لما جاله تعب نفسي شديد.
وهل هنية تعرف كدة؟
وش حسين بقى لونه رمادي أيوة.. تعرف.
دي كانت الإجابة اللي محتاجاها. هو مكانش يعرف باللي بيحصل، بس هو اللي زرع في دماغها فكرة إن بنتنا مشكلة ومحتاجة حل.
الظابط وصل قبل ما أقرر هل أصوت في وش حسين ولا أقع من طولي. دكتور نبيل إداه العلبة والتواريخ وحكى له حالة ليلى بكل دقة. الممرضة أمل كانت سريعة جداً، صورت العلبة وجهزت ورق المستشفى وطلبت الإسعاف فوراً لأن ليلى كانت محتاجة
ملاحظة دقيقة عشان قلبها وعضلاتها.
ليلى
تم نسخ الرابط