وكأني غريبة في بيتنا

لمحة نيوز

الأمور مشيت بسرعة، والتوتر في البيت كان يتلمس بالإيد. مديسون، اللي كانت خلاص اعتبرت الأوضة أوضتها، ما كنش قدامها غير إنها تلم حاجتها وتمشي. بابا ما كلمنيش لأيام، ولا حتى كلمة اعتذار. كأنه مش قادر يواجه الحقيقة: إنه كان غلطان، ودلوقتي كل اللي بناه بيتهد فوق دماغه.
لورنا كمان ما كانتش بتكلمني، بس كنت بسمع صوت غيظها في التليفون: "إنتي بوظتي كل حاجة.. كنا بنبدأ حياة جديدة، إنتي بتدمري عيلتنا."
كلامها وجعني بس ما سمحتلوش يكسرني. قضيت شهور حاسة إني شفافة وماليش قيمة، فمابقاش الوجع زي الأول. اللي كان بيوجع بجد هو إنها هي وأبويا مصدقين إن نسخة "العيلة" بتاعتهم أهم من الحقيقة.
اتعلمت بالطريقة الصعبة إن العيلة مش مجرد مظاهر أو مصلحة، العيلة يعني وفاء وثقة وتفاهم. واللحظة اللي بابا حاول يخرجني فيها من بيتي، كسر فيها الثقة دي.
بس يأس بابا كان بيبان أكتر مع الأيام. فضل يتصل ويسب لي رسايل صوتية: "أرجوكي ارجعي البيت.. أنا كنت بحاول بس أخلي الأمور تمشي عشاننا كلنا، ما كنش قصدي أوجعك."
بس خلاص فات الأوان. لسه فاكرة كلامه يوم ما مشيت، وإزاي استهان بذكرى أمي ورماني عشان غيري. الاعتذار مابقاش ينفع.
فضلت عند خالي، متمسكة
بالسلام اللي لقيته. حياة بابا اللي حاول يبنيها مع لورنا ومديسون اتفكت حتة حتة. كل ما يحاول يصلح حاجة، تبوظ أكتر. موضوع تمويل البيت اللي كان شغال عليه فشل، لأن البنك رفض يوافق من غير توقيعي على نصيبي. ما كنش عنده خطة بديلة.
وهنا عالم بابا بدأ ينهار قدام عينيه. محاولاته لرسم صورة الاستقرار وقعت زي بيت الورق.
ومع ذلك، ما رجعتش. ما كنتش قادرة. الشرخ كان كبير، وأنا لقيت قوتي ومكاني بعيد عن الهيصة دي، مع ناس بتهتم بيا بجد.
بعد شهور، رجعت البيت أخيراً لما الأمور هديت. دخلت من الباب، كل حاجة كانت متغيرة. أوضتي رجعت زي ما كانت، كل حاجة في مكانها. بس ما كنتش حاسة بنفس الإحساس، كانت باردة. بابا كان واقف في الطرقة، شكله بقى أصغر وأرفع ووشه تعبان.
قال بهدوء: "أنا كنت بس بحاول أمشي لقدام في حياتي."
بصيت له وقلت الكلمة اللي كانت محبوسة جوايا سنين: "لأ.. إنت كنت بتحاول تركنّي أنا على جنب."
دي كانت النهاية الحقيقية. مش الوصية ولا المحاكم، لكن اكتشاف إن بابا، في رحلته لبداية جديدة، حاول يمسح القديمة. وفي النهاية، خسرني وخسر كل حاجة كانت تهم بجد.
بعد اليوم ده، الفجوة بيني وبين بابا كبرت، والمشاكل بينه وبين لورنا زادت.
البيت اللي كان مليان بوهم السعادة، بقى مليان بصدى الخيبة والغل. كنت عارفة إن خلاص الموضوع انتهى بينهم، حتى لو ما اعترفوش. بابا بنى حياته كلها على المنظرة، بس مفيش دهان ولا عفش جديد يقدر يغطي الشروخ اللي في الأساس.
لأيام طويلة، بابا فضل بعيد. لورنا حاولت تبين إنهم عيلة سعيدة، بس الغل في صوتها كان بيفضحها. كانت زعلانة مني، ومنه، ومن الدنيا كلها عشان ما مشيتش على مزاجها.
كل حاجة وصلت لذروتها في ليلة، بعد شهر من رجوعي. كنت معدية آخد شوية كتب، ولقيتهم بيتخانقوا في المطبخ. أصواتهم كانت عالية وكلامهم سم.
لورنا كانت بتصرخ: "أنا ما طلبتش كل ده! ما طلبتش أتدبس في مشاكلك وبنتك تقف في طريق كل حاجة حلمت بيها!"
بابا كان واقف بيفرك في راسه: "أنا بعمل اللي بقدر عليه يا لورنا، بس فات الأوان.. أنا خسرت كل اللي يهمني، وإنتي بتزودي الطين بلة."
كنت واقفة برا الباب سامعة كل حاجة. عمري ما شفت بابا مكسور ومكشوف كده.
لما دخلت عليهم، ملامح بابا اتغيرت، عرف إني سمعت كل حاجة. لورنا ما قدرتش تسكت وقالت لي بغل: "إنتي بوظتي كل حاجة.. بوظتي حياة أبوكي وحياتي، إنتي عيلة أنانية!"
رديت عليها بهدوء تام: "أنا ما بوظتش حاجة. إنتي اللي
حاولتي تمسحي الماضي عشان يناسب خيالك. بس الماضي هو اللي بيخلينا إحنا مين. موت أمي وحياتي جزء مني ومن البيت ده. أنا مش هعتذر على حاجة مش ذنبي."
بابا قطع الكلام وقال: "خلاص كفاية."
وفي اللحظة دي، شفت في عينه ندم حقيقي. بص لورنا وقال لها: "يمكن ما كانش ينفع نبقى عيلة أصلاً.. أنا خسرت أغلى ناس عندي بسبب أوهام."
لورنا لميت حاجتها ومشيت، وبابا ما حاولش يلحقها. الكدبة خلصت.
الأيام اللي بعدها كانت هادية جداً. البيت بقى كأنه متحف لماضي مش هيرجع. فهمت إن بابا كمان كان بيعاني من الحزن، بس بدل ما يواجهه، استخبى ورا قناع السيطرة والكمال.
لما اتكلمت معاه بعد أسابيع، قالي بصوت مبحوح: "ما كانش قصدي أوجعك."
رديت عليه: "عارفة.. بس وجعتني، وده مابيرجعش."
قعدت قدامه، الراجل اللي كان بابا وبقى غريب. قلت له: "مقدرش أصلح كل حاجة، أوقات لازم نقبل إن الحاجات اتكسرت، وإن عادي نمشي لقدام حتى لو مش معانا كل الأجوبة."
قعدنا في سكوت. البيت، بيت أمي، بقى رمز للقوة اللي سابتهالي. هي حمتني في حياتها وحتى بعد موتها.
وقفت وقلت له لآخر مرة: "مش هنسى، بس هسامح.. بس جه الوقت إننا نسيب اللي فات يروح."
ومشيت.. برا البيت، وبرا الماضي، وعيلت
عيني على المستقبل.

تم نسخ الرابط