وكأني غريبة في بيتنا

لمحة نيوز

أبويا اتجوز بعد تلات شهور بس من وفاة أمي، وبعدها قالي "اكبري بقى"، وطلب مني أسيب أوضتي لبنت مراته وأمشي من البيت. ما جادلتش معاه، لميت حاجتي ورحت قعدت عند خالي. والنهاردة فجأة بيترجاني أرجع.. وكل ده بسبب اللي وصله في صندوق البوستة بتاعه.
دعوة الفرح وصلت بعد أسبوع واحد من عزا أمي. لسه فاكرة الحروف الدهبي البارزة، وصورة بابا وهو بيضحك جنب واحدة يادوب أعرفها. كان فات 89 يوم بس على موت أمي. بابا اتجوز بالسرعة دي، بس لسبب ما، ده ما صدمنيش قد الكلام اللي قاله بعد كده.
"مديسون محتاجة استقرار"، بابا قال الجملة دي وهو واقف على باب أوضتي، وملامحه كانت هادية بزيادة. "إنتي خلاص بقيتي كبيرة.. ممكن تنقلي تقعدي في غرفة المعيشة."
غرفة المعيشة دي ما كانتش تشبه أوضتي في حاجة. الحيطان فاضية، وما كنش ليها باب، ولا حتى دولاب. ده المكان اللي كان بيقعد يتفرج فيه على التليفزيون بليل، أو المكان اللي الضيوف بيرموا فيه شنطهم. ما كنتش حاسة إني في بيتي، كنت حاسة إني مجرد "تكملة عدد".
سألته وصوتي بيترعش: "إنت عاوزني أديلها أوضة ماما؟"
رد ببرود: "دي مش أوضة أمك.. دي مجرد أوضة نوم."
بصيت له وأنا بحاول أكتم موجة الغضب

والحزن اللي جوايا. كان نفسي أصرخ فيه على قسوة قلبه، وإنه بيرميني على جنب كأني ماليش لزمة. بس بدل كل ده، عملت اللي ما كنش يتوقعه.
قلت له: "ماشي."
الكلمة طلعت سهلة، كأنها كانت محبوسة جوايا من شهور، من ساعة ما أمي تعبت وشفتها وهي بتدبل قدام عيني. ومن ساعة ما هو بدأ يبعد ويركز في حاجات تانية تافهة. دي كانت القشة اللي قطمت ضهر البعير.
لميت حاجتي ومشيت تاني يوم الصبح. كلمت خالي راي، أخو أمي، وفي خلال ساعات كنت في بيته، بعيد عن المكان اللي كنت فاكرة إنه بيتي. مديسون خدت أوضتي، وأنا كان لازم أتعايش مع نتيجة قرارات أبويا.
لورنا، مراته الجديدة، كانت بتتعامل كأن الموضوع عادي. كانت بتتكلم بصوت واطي وبتحاول تطمني إن "كلنا محتاجين وقت نتأقلم". بس أنا كل اللي كنت شايفاه هو إنها بتحاول تزرع عيلتها الجديدة في وسط حياتي القديمة، وتمسح أي أثر لأمي من البيت ومن تاريخنا.
وما اعترضتش.
أول كام يوم كان فيه سكوت تام. بابا ما اتصلش، ولورنا ما سألتش عليا. كأني اختفيت ومحدش مهتم. بس أنا ما كنتش ناوي أسيب حقي، خصوصاً وإني عارفة إن ليا حق قانوني في أوضتي، وإن وصية أمي لسه لغز مدفون في درج قديم في حتة ما.
بعد 11 يوم
من مشيي، وصلني جواب.
جواب مسجل بعلم الوصول. ومن بعدها بابا مابقاش بيبطل رن عليا.
لما رديت أخيراً، بابا حتى ما قاليش ألو. صوته كان مشدود وحاد زي العاصفة: "ليه ما قلتليش؟"
سألته وقلبي بيدق: "أقولك إيه؟"
زعق وهو مخضوض: "الوصية!"
الوصية؟ وصية أمي؟ اللي كانت مقفول عليها ومستخبية، واللي كانت دايماً مجرد هم بعيد؟ ما كنتش فكرت فيها من ساعة وفاتها، عقلي كان مشغول بالحزن وبالفراغ اللي سابته. بس صوت بابا كان كفيل يرجعني للواقع.
كنت سامعة صوت خطواته وهو رايح جاي وتوتره باين: "البيت.. البيت مش ملكي لوحدي،" اعترف وصوته يادوب مسموع.
"يعني إيه؟"
بدأت أفهم. أمي كانت دايماً منظمة، وبتحسب لكل حاجة حساب حتى وهي في أصعب ظروفها. بس لما سمعت ده من بابا، إن البيت اللي كبرت فيه مش ملكه بالكامل.. الصدمة كانت قوية.
كمل وقالي: "نصيب أمك في البيت اتحط في أمانة (Trust).. ليكي إنتي."
السكوت اللي ساد كان تقيل. كنت قاعدة متجمتة. البيت عمره ما كان ملكه لوحده، كان دايماً ملكي أنا كمان، مرتبط بحب أمي وذكراها وتخطيطها الدقيق. ودلوقتي، حقي جه لحد عندي. كان من حقي أقعد فيه لحد ما أتم الـ 18 سنة، مهما بابا قال أو حاول يمشيني.

ما كنتش مصدقة. ده مش مجرد بيت، ده كان رمز، حاجة أمي سابتها لي كآخر عمل حماية منها.
قلت له بصوت واطي: "كنت هضحك.. إنت كنت مخطط لكل حاجة، صح؟"
ما ردش، بس كنت سامعة صوت شعوره بالذنب في نفسه. كان عمل خطط وبلغ عيلته إن البيت ملكه وكل حاجة تحت سيطرته. بس غلط غلطة عمره؛ استهان بأمي، واستهان بيا.
قلت له ببرود: "كل اللي عملته كان عشان المنظرة. كنت بتحاول تبني عيلة مثالية وتبين إن كل حاجة تمام من برا. بس عمرك ما فكرت في اللي جوا، عمرك ما فكرت فيا."
الغضب اللي كان محبوس جوايا انفجر. الرسايل، ومحاولاته إنه يخرجني من أوضتي اللي كانت أماني.. كل ده كان جزء من خطة عشان يمسح وجودي ويبدلني بحد تاني.
حسيت بقوة ووضوح. الموضوع مابقاش مجرد بيت، بقى موضوع كرامة وحدود وحقوق. حقي أنا.
بمساعدة خالي راي، بدأت أتحرك. محامي دخل في الموضوع وبعتنا إنذارات قانونية. مديسون اضطرت تسيب أوضتي. البيت، بيتي أنا، مابقاش متاح لأي حد. بقى بتاعي.
أول مرة شفت فيها بابا بعد ما كل حاجة بدأت، كان شكله راجل خسر كل حاجة. ما سلمش عليا، سألني بغل: "ليه بتعملي كده؟"
رديت عليه بهدوء وأنا واقفة على باب الأوضة: "عشان إنت حاولت تمسح وجودي.
"
وفي لحظة، كل حاجة بدأت تنهار.

تم نسخ الرابط