ضحكة عمرها عشرون عاماً
صوتها وصلي قبل كلامها.. نفس الثقة المألوفة اللي بتمط في الكلام ببرود، النوع اللي مبيطلعش غير من ناس عمرها ما شالت هم رأي حد فيهم. صوتها اتسحب وسط شقشقة الكاسات والضحك المجامل، ولقاني بدقة حاجة فضلت مسافرة عشرين سنة عشان ترشق فيّ دلوقتي.
كل يا فاشل.. هو أنت هتشوف أكل نظيف تاني إمتى؟
جسمي عرفها قبل عقلي. عضلات كتافي اتشدت، رد فعل قديم قوي لدرجة إن له ذاكرة لوحده، وللحظة واحدة مكنتش واعي فيها، رجعت مراهق عنده 17 سنة، قاعد في ركن في كانتين المدرسة ومعايا صينية الغدا، بحاول أختفي من الأنظار ومش عارف. أخدت نفس طويل بالعافية واتلفتّ.
ماريسا هولبروك، اللي بقت دلوقتي ماريسا لير بفضل جوازة لَبساها كأنها بطولة، كانت واقفة جنب كرسيّ وكأنها حاجزة المكان لنفسها. الألماظ اللي في ودنها ورقبتها كان بيخطف ضوء النجف ويرميه على المفرش في خبطات صغيرة مش مريحة. ابتسامتها كانت هي هي اللي فاكرها، نفس القفشة اللي في طرف بوقها، ابتسامة محسوبة ومن غير مجهود، معمولة مخصوص لزحمة الناس اللي هيضحكوا معاها عشان ميبقوش هما الضحية اللي جاية.
مدت لي طبق. مش طبق من بتوع الضيوف.. ده كان من نوع الأطباق اللي العمال بيركنوها وهم بيلموا الطرابيزات، أكل بارد ولونه بقى رمادي تحت شوية صوص،
القاعة حوالينا فضلت زي ما هي، فرقة الجاز بدأت تعزف حاجة هادية، وهمهمة المعارف القدام اللي بيمثلوا إنهم قريبين من بعض زادت. الحفلة كانت متصممة عشان تبان احتفال، ورد غالي قوي وريحته فواحة. بس كل ده اتحول لزنة بعيدة في ودني، زي ما بيحصل لما جهازك العصبي يقرر إن في مصيبة تانية أهم بتحصل دلوقتي.
بصيت للطبق.. وبصيت لوشها. افتكرت اليوم اللي كنا فيه في تانية ثانوي لما دلقت عصير عنب على بنطلوني وأنا قاعد على الطرابيزة، وبعدين وقفت بكل ثقة وأعلنت للناس اللي حوالينا بضحكة عالية سمعت المدرسين في آخر الكانتين ده عملها على نفسه!. الضحك جه زي الموجة، وأنا فضلت قاعد هناك وإيديا مفرودة على الطرابيزة، مش عارف أعمل إيه بوشي اللي كان بيولع من الكسوف.
اللحظة دي كانت هي الأساس لكل اللي جه بعدها. الوقفة المحنية اللي قضيت سنين بحاول أعدلها. عادة الكلام الواطي وسط المجموعات. المجهود الجبار في التمثيل إن الحاجات مش بتوجع، وهي كانت بتقطع فيّ.
حطيت المنديل على الطرابيزة بهدوء.. وبعدين ابتسمت. مش الابتسامة
قلت لها بلطافة وكأنها بتقدم لي عيش شكراً.. أنا كدة تمام.
عينيها ضيقت شوية أنت تمام؟
جنبها، جوزها ديفيد لير كان مندمج في الكلام مع اتنين قدامنا، إيد ساندة بتملك على وسط ماريسا، والإيد التانية بيشوح بيها بكاس نبيذ وهو بيشرح وجهة نظر في العقارات. كان لابس البدلة كأنها معمولة عشان يتشاف بيها بس، وصوته فيه الراحة الكسولة بتاعة حد عمره ما شك إن الناس عايزة تسمعه. ماريسا ميلت الطبق ناحيتي أكتر، عشان تتأكد إن الناس اللي على الطرابيزة فهموا النكتة.
قالت بصوت دافي وكأنها لسه بتمثل مش مستغربة إنك كنت دايمًا بتاكل لوحدك.
عينيها راحت بسرعة لبطاقة الاسم اللي على صدري. ستيكر أبيض سادة، مكتوب عليه بخط أسود دانيال ريد. لا منصب، ولا اسم شركة. البطاقة دي ادتها الإذن إنها تكمل.
مديت إيدي في جيب الجاكيت. كارت الشغل كان ملمسه بارد وتقيل بين صوابعي. معدن أسود، مطفي. بدأت أعمل الكروت دي من خمس سنين، كحاجة عملية،
مشيت حوالين الطرابيزة ناحيتها، عديت من جنب الضيوف اللي كانوا بيبصوا من طرف عينهم. وقفت جنب كاس النبيذ بتاعها، لونه الأحمر الغامق كان بيتهز تحت النور. ومن غير ولا كلمة، رميت الكارت المعدن الأسود جوه الكاس. غرق في القاع بصوت مكتوم وحاسم.
ماريسا رجعت لورا كأن الكاس لسعها. مديت صوابعها بحذر، طلعت الكارت، وفضلت باصة للكلام المحفور عليه زي اللي بيقرأ حاجة ومكذب عينيه. شفايفها اتحركت وهمست المؤسس والمدير التنفيذي.. لشركة فانجارد هورايزونز.
الدم هرب من وشها بالتدريج. صوابعها بدأت تترعش. الألماظ اللي في إيدها، اللي كان شكله واثق من خمس دقايق، بقى منظره مهزوز. رفعت راسها وبصت لي.. ولأول مرة طول السهرة، بصت لي فعلاً. البصة اللي بتطلع لما تكتشف إنك عملت غلطة عمرك في تقدير اللي قدامك. سبت السكوت ياخد وقته لحظة. بعدين قربت منها، لدرجة إن الكلمات مكنتش محتاجة مجهود عشان توصل قدامك 30 ثانية يا ماريسا.
نفسها