طلقة واحدة ​بقلم: أماني سيد

لمحة نيوز

ودلوقتي اتفضل من غير شوشرة، بنتي وراها شغل ومستقبل بتبنيه بعيد عنك وعن أهلك.
قفلت الباب في وشي، ووقفت أنا في السلم ومعايا علبة الذهب اللي كانت باهتة جداً قدام كرامة سمر وقوة أبوها. حسيت للحظة إني بقيت غريب، ماليش مكان لا في بيتهم ولا حتى في بيتي اللي بقى خرابة.
الأيام بدأت تمر عليا وأنا زي المجنون، مش مصدق إن سمر اللي كانت بتخاف من نظرة عيني، بقت بالصلابة دي. حاولت أروح لها البيت تاني وتالت، أقف تحت البيت بالساعات، أبعت رسايل اعتذار ووعود، بس مفيش فايدة.. الرد كان دايما بلوك أو تجاهل تام.
في يوم، قررت أروح لها قدام الشغل الجديد اللي عرفت مكانه بالصدفة. كنت واقف ومعايا ورد، قولت يمكن لما تشوفني لوحدنا قلبها يحن. أول ما خرجت من باب المبنى، لمحتها.. كانت ماشية بخطوات واثقة، وشها فيه راحة غريبة ما شفتهاش وهي معايا.
جريت عليها وأنا بنادي
سمر.. استني يا سمر، أرجوكي اسمعيني دقيقة واحدة بس!
وقفت وبصت لي ببرود، وقبل ما تنطق بكلمة، لقيت عربية وقفت جنبنا، ونزل منها خالد ابن عمها.. خالد اللي طول عمره كان هادي وفي حاله، بس المرة دي نزل وعينه بتقدح شرار. وقف بيني وبينها كأنه سد منيع، وبص لي بنظرة خلتني
أرجع خطوة لورا.
أنت إيه اللي جابك هنا يا جاسر؟ مش قولتلك مالكش كلام مع سمر تاني؟
أنت مالك يا خالد؟ دي مراتي وأم بنتي، واللي بينا مشاكل عائلية مابيدخلش فيها حد من برا.
خالد ضحك بسخرية وهو بيقفل باب العربية وبيقرب مني
كانت مراتك.. والكلمة دي أنت اللي موتها بإيدك يوم ما وزعت شربات على كرامتها. ومن النهاردة، أنا اللي واقف هنا، وأي كلمة عايز تقولها، تتقال ليا أنا.. سمر وراها بيت وعيلة بيحموها، ومش مسموح لك تقرب منها خطوة واحدة تانية.
بصيت لسمر وقولت بقهر
بقى هو ده اللي أنتي بتتحامي فيه يا سمر؟ ابن عمك؟
سمر بصت لي بمنتهى القوة وقالت
خالد سندي يا جاسر، والراجل اللي بيعرف يعني إيه عرض وقرابة.. اللي زيك ما يعرفش المعاني دي. خالد هو اللي بيوديني ويجيبني عشان مسمحش لواحد زيك يضايقني بكلمعة.
خالد حط إيده على كتف سمر وقال لي بحسم
اسمع يا ابن الناس.. المرة دي بقولها لك بالذوق، المرة الجاية لو شفت خيالك جنب سمر أو جنب بيت عمي، مش هتحب اللي هيحصل. سمر خلاص قفلت بابك، والراجل فينا هو اللي بيعرف إمتى ينسحب بكرامته.. لو لسه عندك كرامة أصلاً.
ركبت سمر معاه العربية، وخالد بص لي نظرة أخيرة قبل ما يدور المحرك
ويمشي، وسابني واقف في نص الرصيف والورد في إيدي دبلان.. حسيت للحظة إن الدنيا فعلاً لفت بيا، وإن جاسر اللي كان فاكر نفسه الكل في الكل، بقى دلوقتي ملوش دية، ولا حتى قادر يوصل لظلها.
رجعت البيت وأنا الدم بيغلي في عروقي، مشهد خالد وهو واقف حيطة سد بيني وبين سمر مش عايز يروح من بالي. مسكت التليفون ورنيت على أمي، وأول ما فتحت الخط انفجرت فيها
شوفتي يا أمي؟ شوفتي اللي وصلتينا ليه؟ سمر اللي كانت بتمشي جنب الحيط، دلوقتي ابن عمها خالد هو اللي بيوصلها ويجيبها، وواقف لي في الرايحة والجاية كأنه هو صاحب البيت! ده هزأني قدام الناس وقالي مالكش كلام معاها.
أمي ردت ببرود وهي بتمصمص شفايفها
يا خيبتك يا جاسر! بقى حتة عيل زي خالد يوقفك مكانك؟ ما كنت تديله كلمتين في عضمه وتعرفه مقامه.. وبعدين ما هي سمر طول عمرها عينها من عيلة أبوها، أهو لقت الفرصة عشان تتدلع عليهم.
تتدلع إيه يا أمي؟ البت ضاعت مني بجد! وإخواتي اللي كانوا بيزغرطوا، مفيش واحدة فيهم رفعت سماعة التليفون تطيب خاطرها بكلمتين عشان نلم الدور.. دلوقتي أنا اللي شكلي وحش، وأهلها قفلوا في وشي كل الأبواب.
في اللحظة دي، دخلت عبير أختي على الخط في مكالمة جماعية
وقالت بلسان طويل
جرى إيه يا جاسر؟ أنت هترمى خيبتك علينا ولا إيه؟ ما أنت اللي طلقت بلسانك، وإحنا فرحنا لك عشان كنا فاكرين إنك هتتجوز ست ستها وتغيظها.. إنما تروح تقف تحت بيتها وتتهزأ من ابن عمها، دي تبقى مشكلتك أنت.
قفلت السكة وأنا حاسس إني لوحدي بجد. نزلت الشارع تاني، رحت قعدت على القهوة بعيد عن المنطقة، لقيت خالد معدي بالعربية ومعاه سمر وبنتنا ليلى. البنت كانت بتضحك وحاضنة خالد، وسمر وشها منور وبتتكلم معاه بتقدير واحترام عمرها ما ورتهولي في آخر أيامنا.
النار شعللت في قلبي، قمت وقفت وكنت هروح أهجم على العربية، بس افتكرت كلمة أبوها الروابط اتقطعت.
رجعت شقتي المهجورة، بصيت في المراية.. دقني طويلة، لبسي مبهدل، وعيني مطفية. فتحت الثلاجة ملقتش فيها غير إزازة مية وقالب جبنة ناشف. قعدت على الأرض في الصالة المكركبة، وافتكرت سمر لما كانت بتقولي يا جاسر اتقي الله فيا، أنا ماليش غيرك، وأنا كنت برد عليها ب أهلي خط أحمر.
دلوقتي الخط الأحمر ده هو اللي عزلني عن العالم، وأهلي اللي شجعوني على الخراب، دلوقتي بيتفرجوا عليا من بعيد وبيمصمصوا شفايفهم على خيبيتي. الليل دخل، والبيت بقى زي القبر.. مفيش غير صوت
دقات الساعة وصوت ضميري اللي
تم نسخ الرابط