الخمس ليرات التي أعادت ميتًا من الغياب
سأله الرجل:
ـ من أين أنت؟
قال:
ـ من السويداء.
ابتسم التاجر ابتسامة غريبة فيها حنين قديم وقال:
ـ أهل الكرامة.
ثم نهض، وجمع الحلوى داخل الكيس، ووضعه أمام سامر قائلًا:
ـ خذ هذا.
ارتبك سامر فورًا:
ـ لا… لا أستطيع.
قال الرجل بثبات:
ـ بالدَّين… حين تعود إلى دمشق تسددها.
هز سامر رأسه بسرعة:
ـ قد لا أعود لسنوات.
ابتسم التاجر وقال:
ـ إذًا اعتبرها أمانة عندك حتى تعود.
حمل سامر الكيس وهو يشعر بثقل غريب في قلبه، ثقل المعروف الذي لا يستطيع الإنسان حمله بسهولة.
شكر الرجل كثيرًا، ثم خرج من المحل بخطوات بطيئة.
كان يمشي في السوق شارداً، وفجأة سمع صوتًا خلفه:
ـ يا أخي… انتظر!
التفت فوجد ابن التاجر يركض نحوه وهو يلهث.
اقترب الولد الصغير ومد يده بشيء مطوي وقال:
ـ أبي قال أعطيك هذا بعيدًا عن الناس.
فتح سامر يده فوجد خمس ليرات ورقية.
اتسعت عيناه بدهشة وقال فورًا:
ـ لا… مستحيل… أبوك أعطاني الحلوى أصلًا.
قال الولد بخجل:
ـ أبي قال لا
ثم اقترب أكثر وهمس:
ـ وقال لك قل لأهلك إنك اشتريتها بمالك.
شعر سامر أن شيئًا ساخنًا يصعد إلى عينيه.
وحين فتح الورقة النقدية وجد داخلها قصاصة صغيرة مكتوب عليها بخط مرتب:
“إذا كبرت يومًا… لا ترد المال لي.
رده لطفل يخاف أن تنكسر فرحته.”
وقف سامر في منتصف السوق عاجزًا عن الكلام، بينما كان الولد قد عاد راكضًا إلى المحل.
عاد سامر إلى السويداء مساءً، وكانت أمه أول من فتح الباب.
وحين رأت أكياس الحلوى فرحت كأنها هي من نجحت.
أما سامر، فلم يخبر أحدًا بما حدث.
خبأ الورقة الصغيرة والخمس ليرات داخل صندوق خشبي تحت سريره، وظلت تلك اللحظة تعيش معه سنوات طويلة.
مرت الأيام.
كبر سامر.
درس وعمل وتعب وسافر بين المدن حتى صار رجلًا معروفًا في التجارة.
وكان كلما رأى طفلًا حزينًا أو فقيرًا، يتذكر التاجر الدمشقي وكأس الشاي والخمس ليرات.
وأصبح يفعل الشيء نفسه دائمًا.
يساعد الناس دون أن يخبرهم لماذا.
لكن شيئًا واحدًا بقي يطارده
ذلك الرجل الذي أعاد إليه فرحته ثم اختفى.
وبعد أربعين سنة كاملة، قرر سامر العودة إلى دمشق.
دخل سوق الحميدية بخطوات بطيئة هذه المرة.
كان الشيب يملأ شعره، لكن قلبه عاد طفلًا فجأة.
بحث طويلًا حتى وجد مكان محل الحلويات القديم.
لكنه كان مغلقًا.
الواجهة مهترئة، والباب باهت، وعلى الخشب ورقة صغيرة كتب عليها أن صاحب المحل توفي منذ سنوات، وأن ابنه يدير مخبزًا صغيرًا في حي آخر.
شعر سامر بشيء ينكسر داخله.
لكنه ذهب إلى العنوان فورًا.
كان المخبز صغيرًا ودافئًا، ورائحة الخبز تملأ المكان.
وقف رجل خمسيني خلف الفرن، وما إن سمع اسم التاجر حتى سكت للحظة طويلة.
ثم قال بهدوء:
ـ أنا ابنه.
ارتجفت يد سامر وهو يخرج الورقة القديمة والخمس ليرات المحفوظة بعناية طوال أربعين عامًا.
قال بصوت مبحوح:
ـ جئت أرد دين أبيك.
نظر الرجل إلى الورقة، ثم فجأة امتلأت عيناه بالدموع.
همس:
ـ أبي كان يتحدث عنك دائمًا.
تجمد سامر وقال بدهشة:
ـ عني؟!
رد الرجل:
ـ هذا ما كنا نظنه أيضًا.
دخل إلى غرفة صغيرة في الخلف، ثم عاد يحمل صندوقًا خشبيًا قديمًا.
فتحه بحذر، وأخرج دفتر ديون أصفر مهترئًا.
فتح صفحة محددة وقال:
ـ انظر.
قرأ سامر اسمه مكتوبًا بخط قديم:
“سامر… من السويداء.”
وتحت الاسم عبارة أخرى جعلت الدم يتجمد في عروقه:
“هذا الولد سيعود يومًا… وإذا عاد فأخبروه أن الخمس ليرات لم تكن ضائعة.”
رفع سامر رأسه بصدمة:
ـ ماذا يعني هذا؟
تنهد الرجل ببطء وقال:
ـ أبي وجد نقودك يومها… لكنها لم تكن وحدها.
ثم فتح درجًا قديمًا وأخرج محفظة جلدية مهترئة.
ما إن رآها سامر حتى شعر أن قلبه توقف.
كانت محفظة والده.
همس بصعوبة:
ـ هذه… كانت مع النقود.
قال ابن التاجر:
ـ نعم… وأبي احتفظ بها أربعين سنة لأنه خاف أن يسلمها للشخص الخطأ.
أخذ سامر المحفظة بيد ترتجف، وما إن فتحها حتى سقطت منها صورة قديمة.
انحنى ليلتقطها…
ثم تجمد مكانه.
في الصورة كان والده يقف شابًا صغيرًا… وبجانبه
وخلف الصورة كلمات مكتوبة بخط باهت:
“إذا جاء ابني يومًا إلى دمشق… فلا تخبروه أنني حي… إلا إذا عاد من نفسه.”