الخمس ليرات التي أعادت ميتًا من الغياب
الخمس ليرات التي أعادت ميتًا من الغياب
في صيف قديم من صيفات سوريا، كان سامر ابن الخامسة عشرة يشعر أن الدنيا كلها خفيفة تحت قدميه، كأن الطرقات نفسها تفسح له المجال ليمر وهو يضحك.
استيقظ ذلك الصباح قبل الجميع، وقبل أن تشرق الشمس تمامًا، جلس قرب النافذة يتأمل الجريدة التي اشتراها والده مساء الأمس.
كان اسمه مطبوعًا هناك بين أسماء الناجحيـن في الشهادة الإعدادية، وتحت الاسم شعر بشيء أكبر من الفرح، شيء يشبه انتصارًا صغيرًا على الفقر والتعب والبرد الطويل الذي عاشته عائلته في السويداء.
كانت أمه منذ الفجر تعد الشاي وهي تنظر إليه بفخر، بينما والده ظل صامتًا كعادته، لكنه كلما مر قرب سامر ربت على كتفه دون كلام، وكأن الربتة تقول ما لا يستطيع لسانه قوله.
قالت له أمه وهي تبتسم:
ـ لازم نفرح يا سامر… اليوم مو يوم عادي.
ومن شدة حماسه، خطرت له فكرة جعلته يقف فجأة كأنه اكتشف كنزًا.
قال:
ـ
ضحكت أمه وقالت:
ـ وحدك إلى دمشق؟
أجاب بثقة طفل يريد أن يصبح رجلًا بسرعة:
ـ صرت كبيرًا يا أمي.
أخرج والده من جيبه خمس ليرات ورقية قديمة، ثم وضع فوقها ليرة معدنية لأجرة الباص، وقال له:
ـ انتبه على نفسك… وعلى النقود، هذه كل ما معي اليوم.
أخذ سامر المال كأنما استلم أمانة كبيرة، ووضعها داخل جيبه الداخلي بعناية شديدة، ثم خرج وهو يشعر أن الحياة بدأت تفتح له أبوابها أخيرًا.
ركب الباص المتجه إلى دمشق، وكانت الطريق بالنسبة له مغامرة كاملة.
الجبال، الحقول، أصوات الركاب، ورائحة الديزل المختلطة بالقهوة… كلها بدت له جميلة في ذلك اليوم.
وحين اقتربت دمشق، بدأ قلبه يخفق بقوة.
كانت المرة الأولى التي يدخل فيها المدينة وحده.
ما إن نزل من الباص حتى شعر أن العالم أكبر بكثير مما تخيله.
الأسواق مزدحمة، الباعة يصرخون، رائحة
مشى في سوق الحميدية طويلًا، يتأمل الواجهات والقباب العالية وأصوات النحاس والمآذن.
ثم مر من الصالحية وباب الجابية، وكان يبتسم لكل شيء كأنه سائح جاء من عالم آخر.
وبعد ساعة من التجوال، وجد محل حلويات قديمًا يشع دفئًا ورائحة سمن وسكر.
كانت الواجهة مليئة بالكعك والبرازق والغريبة، والناس تدخل وتخرج باستمرار.
جلس عند الباب رجل خمسيني بوجه هادئ وعينين مليئتين بالتعب والطيبة، وبجانبه طفل صغير لا يتجاوز العاشرة يساعده في ترتيب الصواني.
اقترب سامر بخجل وقال:
ـ عمي… أريد كيلو كعك، وكيلو برازق، وكيلو غريبة.
ابتسم التاجر وقال:
ـ يبدو أن عندكم عرسًا اليوم.
ضحك سامر بفخر:
ـ لا… نجحت بالشهادة.
رد الرجل وهو يزن الحلوى:
ـ مبارك يا بطل… الله يفرح قلب أهلك فيك.
كان سامر يتخيل وجه أمه حين يرى الحلوى، ويتخيل أصدقاءه
وما إن انتهى التاجر من تجهيز الطلب ووضعه في كيس ورقي كبير حتى مد سامر يده إلى جيبه.
لكن يده عادت فارغة.
توقف للحظة.
ثم فتش الجيب الآخر.
ثم قلب القميص.
ثم أدخل يده في كل مكان بجنون.
اختفت الابتسامة من وجهه فجأة، وكأن أحدهم أطفأ الضوء داخله.
بدأ يتنفس بسرعة، وقال بصوت مرتجف:
ـ لا… لا يمكن…
نظر إليه التاجر باستغراب:
ـ ماذا هناك يا ابني؟
همس سامر بخجل يكاد يخنقه:
ـ النقود… أضعتها.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قال سامر بسرعة وكأنه يهرب من الإحراج:
ـ أعتذر يا عمي… سأعود لاحقًا.
أعاد التاجر النظر إليه طويلًا، ثم قال بهدوء:
ـ اجلس أولًا.
حاول سامر الرفض، لكن الرجل أشار له بإصرار.
جلس سامر قرب الباب وهو يشعر أن الدنيا كلها تسخر منه.
لم يكن يبكي على المال فقط، بل على الفرحة التي شعر أنها انكسرت فجأة.
صب له التاجر كأس شاي ووضعه أمامه
ـ اشرب يا ابني… الدنيا لا تقف على خمس ليرات.
أخفض سامر رأسه وقال:
ـ لكنها كانت كل ما أملك.