أقنعها خطيبها أن تسافر إليه تهريبًا عبر البحر
كانت نور بنت هادية من حلب، في بداية العشرينات، ملامحها بسيطة لكن عينيها كان فيهم تعب سنين الحرب كلها، من يوم ما بدأت الأزمة وهي شايفة الدنيا بتتغير قدامها بسرعة مرعبة، بيوت بتتهد، ناس بتختفي، وأحلام بتضيع قبل ما تكبر. كانت عايشة مع أمها وأخوها الصغير في شقة قديمة نصها متشقق من القصف، وكل اللي نفسها فيه حياة عادية… بيت هادي، راجل يحترمها، ومستقبل تحس فيه بالأمان.
ولما اتعرفت على سامر، حسّت إن ربنا أخيرًا بعتلها باب نجاة.
سامر كان عايش في ألمانيا من سنين، شاب لبق، يعرف يتكلم بطريقة تدخل القلب بسهولة، كل يوم يبعت لها رسائل طويلة، يحكيلها عن الشوارع النظيفة، وعن البيت اللي هيجهزهولها، وعن حياتهم اللي هتبدأ أول ما توصل لعنده. كان يقول لها دائمًا:
“أنتِ آخر شيء حلو بقي بحياتي يا نور… والله ما بدي غير نعيش سوا وننسى كل التعب.”
كانت تصدقه من قلبها، ليس لأنها ساذجة، بل لأنها كانت متعلقة بأي أمل ينقذها من الواقع اللي عايشاه.
مرت الشهور بسرعة، واتفقوا على الخطبة الرسمية، وصار الحديث عن الزواج ولمّ الشمل. من أول يوم قالت له نور بوضوح:
“أنا مستحيل أسافر تهريب، بخاف من البحر، وإذا ربنا كاتبلي نصيب معك رح يجينا بالحلال والطريقة النظامية.”
ضحك يومها وقال:
“وأنا أرضى عليكِ الخوف؟ كرامتك قبل أي شيء.”
ارتاحت لكلامه، وصارت تحكي عنه لأمها بكل فخر، حتى أمها كانت تقول:
“الحمد لله لقيتي ابن حلال يخاف الله.”
لكن بعد عدة أشهر، بدأ سامر يتغير بالتدريج.
صار يتأخر بالرد، يتعصب بسرعة، ويتكلم
“السفارة أخرت الملف.”
“القوانين تغيّرت.”
“الموضوع ممكن ياخذ سنتين.”
ثم بدأ يلمّح لفكرة السفر تهريبًا.
في البداية كانت ترفض فورًا، لكنه كان يعرف كيف يضغط عليها نفسيًا، يقول لها:
“يعني ترضي نضيع عمرنا؟”
“كل البنات عم تجي بهالطريقة.”
“أنا تعبت من الوحدة.”
وبمرور الأيام، تحولت الفكرة من اقتراح إلى ضغط يومي.
كانت نور تنهار بعد كل مكالمة، تشعر بالذنب وكأنها هي السبب في تأخر زواجهما، حتى بدأت تشك بنفسها… ربما فعلًا هي جبانة أكثر من اللازم.
وفي يوم، دخلت عليها صديقتها سارة بحماس وهي تقول:
“تخيلي! أنا كمان رايحة تهريب لعند خطيبي الشهر الجاي.”
رفعت نور عينيها بدهشة:
“عنجد؟”
قالت سارة بثقة:
“إيه، الطريق مضمون، ناس كتير وصلت، وإذا رحنا سوا ما رح نخاف.”
تعلقت نور بالكلمة الأخيرة…
“سوا.”
هي لم تكن تريد البحر، لكنها كانت تريد ألا تكون وحدها.
وفي الليلة التي سبقت السفر، جلست بجانب أمها طويلًا، كانت أمها تسرّح شعرها بيد مرتجفة وتسألها:
“حاسّة قلبك مرتاح يا بنتي؟”
كادت نور تقول الحقيقة كاملة، كادت تعترف بأنها خائفة حتى الموت، لكنها خافت أن تمنعها أمها، فابتسمت ابتسامة مكسورة وقالت:
“ادعيلي بس.”
حضنتها أمها بقوة وكأن قلبها يشعر أن هذا العناق قد يكون الأخير.
سافرت نور مع سارة إلى لبنان، ومن هناك أخذوهما إلى بيت قديم قرب الساحل، مليء بالناس، رجال ونساء وأطفال، الكل صامت، كأنهم داخلون إلى امتحان لا يعرف أحد إن كان سيخرج منه حيًا.
وفي منتصف الليل، أخذوهم إلى القارب.
لحظة رؤيته، شعرت نور أن روحها انسحبت منها.
القارب كان صغيرًا جدًا مقارنة بعدد البشر المحشورين فيه، أطفال يبكون، نساء يقرأن القرآن، رجال يخفون رعبهم خلف الصمت.
همست لسارة:
“هذا مو طبيعي… خلينا نرجع.”
لكن قبل أن تسمع الرد، بدأ القارب يتحرك مبتعدًا عن الشاطئ.
جلست نور في زاوية ضيقة، تضم حقيبتها الصغيرة وتبكي بصمت، وفجأة سمعت شابًا قريبًا منها يضحك بسخرية وهو يقول لرفيقه:
“إذا غرقت، لا تنسوا تقروا الفاتحة… ما عندي حدا يتذكرني.”
التفتت نحوه تلقائيًا.
كان شابًا نحيفًا، ملامحه متعبة جدًا لكن عينيه فيهم شيء غريب… دفء رغم كل التعب.
ابتسم لها بخفة وقال:
“أول مرة بحر؟”
هزت رأسها بخوف.
قال:
“لا تخافي… البحر مرات بيخوف أكثر مما بيقتل.”
عرفت بعدها أن اسمه ياسر، شاب سوري فقد أمه بالحرب وأباه اختفى من سنوات، وكان يحاول الوصول إلى أوروبا بأي طريقة.
ومع مرور الساعات، بدأ البحر يثور تدريجيًا.
الهواء صار أبرد، والموج أعلى، وصوت الأطفال تحول لصراخ حقيقي.
وفجأة، ضربت موجة ضخمة القارب بقوة جعلت الجميع يتدافعون، ثم جاءت الثانية… والثالثة…
وفي لحظة واحدة، انقلب كل شيء.
صرخات، ماء، ظلام، أجساد تتخبط ببعضها.
شعرت نور بالماء يبتلعها، حاولت تصرخ لكن البحر دخل إلى صدرها، لم تعد تعرف أين الأعلى وأين الأسفل.
آخر شيء رأته قبل أن تفقد الوعي… يد تحاول الوصول إليها وسط العتمة.
وعندما فتحت عينيها مجددًا، كانت تتشبث ببيدون مازوت أسود يطفو فوق الماء، وجسدها
وبجانبها كان ياسر.
كان يسبح بصعوبة، يلهث بقوة، لكنه لم يتركها لحظة واحدة.
صرخت فورًا:
“سارة؟! وين سارة؟!”
نظر حوله بعجز وقال:
“ما بعرف… والله ما بعرف.”
ثم أمسك كتفها بقوة:
“ركزي معي… إذا استسلمتي رح نموت.”
كلما ضربتهم موجة، كان يرفع رأسها فوق الماء قبل رأسه، وكلما بدأت تغيب عن الوعي، يصرخ باسمها حتى تفتح عينيها.
خلع قميصه وربطه حول خصرها مع قطعة خشب صغيرة حتى تبقى طافية، بينما هو كان يسبح بصعوبة شديدة.
بكت نور وهي تقول:
“ليش عم تساعدني لهالدرجة؟ اتركني ونجّي حالك!”
ابتسم رغم التعب وقال:
“يمكن ربنا خلاني هون مشانك.”
ظلّا ساعات طويلة في البحر.
الليل كان لا ينتهي، والموج يضربهما بلا رحمة، وجسد ياسر بدأ ينهار من البرد.
لكن كل مرة كانت نور تستسلم، كان يقول لها:
“لا تموتي… اسمعيني… لا تخليه يربح.”
وفي الفجر لمحا ضوءًا بعيدًا.
سفينة إنقاذ.
بدأ ياسر يلوّح بيده بصعوبة، بينما نور تبكي بشكل هستيري.
وحين اقترب رجال الإنقاذ، كانت نور شبه فاقدة للوعي، أما ياسر فكان بالكاد يتنفس.
سحبوها أولًا، لكنها ظلت تصرخ:
“ياسر! دخيلكم جيبوه!”
وعندما رفعوه أخيرًا، فتح عينيه بصعوبة وهمس لها:
“إذا عشتي… لا ترجعي للرجل اللي رماكِ للبحر بكلمة حب.”
ثم أغلق عينيه.
في المستشفى، بقيت نور يومين بين الحياة والموت.
كلما استفاقت، سألت عن سارة وعن ياسر، لكن لا أحد يملك جوابًا واضحًا.
وفي اليوم الثالث، أعادو لها هاتفها.
كانت يدها ترتجف وهي تفتحه، لكنها تجمدت عندما رأت رسائل
لم يكن يسأل إن كانت بخير.
لم يكن يسأل إن كانت حية أصلًا.
كل رسائله كانت:
“لا تحكي لأي حدا إني كنت بعرف.”
“إذا سألوك قولي إنك سافرتي لحالك.”
“احذفي المحادثات.”