أب جهز عيد ميلاد ابنته بستة أشهر من التعب، لكن لم يحضر طفل واحد
كان محمود العشماوي راجع آخر الشارع بدراجته القديمة، والدنيا برد، والهوا يلسع وشه المتعب بعد يوم طويل بدأه من الفجر وهو يكنس الشوارع وينظف الأرصفة في وسط القاهرة. هدومه كان عليها آثار التراب، وإيده مشققة من الشغل، لكن أول ما قرب من العمارة وسمع صوت ضحكة بنته ليان من البلكونة، حس إن التعب كله بيخف فجأة.
كانت ليان مستنياه كل ليلة بنفس الطريقة، تجري ناحية الباب أول ما تسمع صوت الموتور، وتفتح له قبل حتى ما يطلع المفتاح من جيبه، وبعدها تتعلق في رقبته وتقول له
جبتلي إيه النهارده يا بابا؟
فيضحك محمود رغم الإرهاق ويقول
جبتلك أكبر حضن في الدنيا.
ثم يشيلها ويدور بيها في الصالة الصغيرة اللي بالكاد تكفيهم، فتضحك كأنها ملكة عندها قصر كامل، مش مجرد شقة متواضعة في حي شعبي قديم.
من يوم ما ماتت أم ليان وهي صغيرة، ومحمود بقى الأب والأم معًا. كان يطبخ لها، يسرح شعرها بصعوبة، يحضر اجتماعات المدرسة، ويحاول بكل جهده يخفي عنها قسوة الدنيا. لكنه كان يعرف إن الأطفال أحيانًا أقسى من الكبار، وإن الفقر له رائحة يميزها الناس حتى لو حاول صاحبها يخبيها.
ليان دخلت مدرسة خاصة بمنحة جزئية ساعده فيها رجل كان يعرف والدها زمان، وكان محمود يحلم إنها تعيش حياة أحسن منه، تتعلم كويس، تلبس نضيف، ويبقى عندها أصحاب وما تحسش بالنقص أبدًا.
لكن الحقيقة كانت
كل يوم تقريبًا كانت ترجع ساكتة، تخلع الشنطة وتقعد جنب الشباك من غير كلام. وفي مرة سمعها وهي بتسأل نفسها بصوت صغير
هو أنا وحشة؟
قلبه وقتها اتقبض.
قعد جنبها وقال
مين قالك كده؟
هزت كتفها وقالت
البنات بيقولوا إن ريحتك بتبقى غريبة لما تيجي المدرسة... وإن باباهم عنده عربية كبيرة مش موتوسيكل قديم.
محمود ابتسم بالعافية، لكنه حس بسكين بتدخل في صدره. يومها فضل صاحي للفجر، يبص لسقف الأوضة ويفكر. كان نفسه يقدر يديها العالم كله، لكنه بالكاد قادر يدفع الإيجار والأقساط ومصاريف المدرسة.
ومن هنا جات فكرة عيد الميلاد.
قال لنفسه
هعملها يوم عمرها ما تنساه.
بدأ يوفر من كل جنيه. بطل يشرب القهوة اللي كان بياخدها آخر الشيفت. مشي ساعات بدل ما يركب مواصلات. باع قطعة غيار نادرة من دراجته القديمة كان محتفظ بيها من سنين. حتى الجاكيت الشتوي الجديد اللي كان محتاجه، لغى فكرته.
كل ده عشان يوم واحد بس يشوف فيه بنته سعيدة وسط أصحابها.
وكانت ليان عايشة على الحلم ده كل يوم.
تقعد ترسم دعوات العيد بألوانها الصغيرة، وترسم تاج جنب اسم كل طفل، وتقول
أكيد هييجوا يا بابا، صح؟
فيبتسم ويقول
أكيد يا روح بابا.
استأجر مكان صغير في حديقة راقية بالتجمع الخامس. أول مرة يدخل المكان حس إنه غريب وسط العربيات الفخمة والناس الأنيقة، لكنه تحمل النظرات، وتحمل
قبل الحفلة بيوم، فضل صاحي للفجر يزين الكعكة بنفسه. كتب اسم ليان بإيده المرتعشة، وحاول يرسم تاج صغير فوق الاسم، لكنه باظ منه، فمسحه وأعاده أكثر من مرة.
وفي الصباح، صحيت ليان ووجدت الجاكيت الوردي فوق السرير.
شهقت من الفرحة وقالت
ده ليا؟
قال وهو يضحك
لأ للجيران.
فضحكت ورمت نفسها في حضنه.
لبسته وظلت تلف أمام المرآة وهي تقرأ الجملة المكتوبة على ظهره
أميرة بابا الصغيرة.
وفي الحديقة، جلس محمود قبل الموعد بساعة كاملة يرتب كل شيء بدقة. البالونات الوردية تتمايل مع الهوا، أكياس الهدايا مصطفة بعناية، والكعكة في المنتصف كأنها قلب المكان كله.
كانت ليان تنظر للطريق كل دقيقة.
كلما سمعت صوت سيارة، تقفز من مكانها وتقول
دول أكيد جم!
ثم تكتشف أنهم ليسوا أحدًا، فتعود ببطء وتجلس.
مرت ساعة.
ثم أخرى.
الطاولات حولهم بدأت تمتلئ بعائلات أخرى، ضحك، تصوير، أطفال يركضون... إلا طاولتهم.
فارغة.
ساكنة.
موجعة.
وفي لحظة، قالت ليان بصوت مكسور
مش هييجوا يا بابا.
بلع محمود ريقه وقال بسرعة
أكيد الطريق زحمة.
لكنها نظرت له بعينين دامعتين وقالت
سمعت ماما صوفيا وهي بتقول لماما جنى إن عيد بنت عامل النظافة مش لايق بعيالهم.
سكت.
لم يعرف ماذا يقول.
نظر للكعكة التي تعب فيها، للبالونات،
لكن الصدمة الأكبر جاءت عندما حاولت ليان تبتسم رغم دموعها وقالت
عادي يا بابا... إحنا الاتنين كفاية.
الجملة دي كسرت قلبه تمامًا.
في نفس الوقت، كان سامر صاحب عربة السندويتشات يتابع كل شيء من بعيد. رأى الأب الذي يحاول يخفي انكساره، والطفلة التي تحاول تواسيه بدل ما تبكي.
أخرج هاتفه وصور الطاولة الفارغة.
ثم كتب في جروب قديم لراكبي الدراجات
طفلة ست سنين محدش حضر عيدها لأن أبوها عامل نظافة وراكب موتوسيكل... مين يقدر يجي؟
لم يكن يتوقع شيئًا كبيرًا.
لكن بعد دقائق قليلة، سُمع صوت دراجة نارية عند آخر الشارع.
ثم ثانية.
ثم ثالثة.
ثم تحول الصوت إلى هدير طويل يهز المكان كله.
الناس بدأت تخرج للشرفات.
الحراس وقفوا مذهولين.
وأمام الحديقة، بدأت الدراجات تصطف واحدة وراء الأخرى.
رجال ضخام، شباب، فتيات، عائلات كاملة.
ثلاثة وسبعون دراجًا.
بعضهم يحمل بالونات، بعضهم هدايا بسيطة، وبعضهم جاء فقط ليقف بجانب طفلة مكسور قلبها.
نزل أول رجل من على دراجته، كان طويلًا ملتحيًا يرتدي جاكيت أسود، اقترب من ليان ونزل على ركبته وقال
سمعنا إن في أميرة محتاجة أصحاب.
ليان نظرت له بخوف أولًا، ثم ابتسمت.
أول ابتسامة حقيقية منذ بداية اليوم.
وفجأة بدأت الحديقة تمتلئ بالحياة.
واحد شغل موسيقى.
واحدة علقت تاجًا
شاب أحضر لها دمية.
امرأة دراجة احتضنتها وقالت
كل سنة وإنتِ قوية