روحت لدكتور عشان اطمن علي نفسي
قعدت ورا، هادية بشكل مستفز، كانت بتبصلي من بعيد وكأنها مستنية لحظة معينة.
صرخت وأنا ماسكة بطني
ودّيني أي مستشفى غير بتاعتك!
جوزي بصلي بسرعة
دي أقرب مستشفى مجهزة.
كذاب!
شهقت بقوة وحسيت نفسي هفقد الوعي. لكن فجأة موبايله اللي على التابلوه نَوّر. رسالة ظهرت على الشاشة، ومن وسط الوجع عيني وقعت عليها الغرفة جاهزة. سيتم نقل الطفل فور الولادة. الدم اتجمد في عروقي. نقل الطفل. يعني فعلًا ناويين ياخدوه. صرخت فيه
وقف العربية!
بصلي
إنتِ لازم تولدي حالًا.
مش هخليكم تاخدوه!
حماته صاحت من ورا
بلاش هستيريا دلوقتي.
لفّيت ناحيتها بكره عمري كله
إنتِ شيطانة.
لكنها ردت بمنتهى البرود
أنا أم بتحاول تعيش. وجوزي لأول مرة صرخ فيها اسكتي!
الصمت نزل للحظة، حتى هي اتفاجئت. أما هو فكان بيشد على الدريكسيون بعصبية وقال من غير ما يبصلي
أنا وعدتك محدش هيأذيكي.
ضحكت بمرارة وسط دموعي
بس هتاخد ابني.
سكت. وده كان اعتراف. في اللحظة دي خدت قراري. بصّيت على باب العربية وإحنا واقفين عند إشارة زحمة وفتحت الباب فجأة... وجريت.
الألم كان بيمزقني والدنيا بتلف بيا لكن الخوف على ابني كان أقوى. سمعته بيصرخ باسمي ورايا
ليلى!
لكن ما وقفتش. جريت وسط العربيات والناس بتبصلي بذهول. واحدة ست قربت مني
إنتِ كويسة؟!
لكن قبل ما أرد وقعت في الأرض والناس اتلمت حواليا. وفي اللحظة دي شوفته وصل. كان نفسه مقطوع وعينه كلها خوف. نزل على ركبته قدامي
خلاص خلاص أنا هنا.
بعدت نفسي عنه بسرعة
ما تلمسنيش!
الناس بدأت تبثله بشك. واحد راجل قال
في إيه يا دكتور؟
جوزي بص حواليه بسرعة وبعدين قال
مراتي تعبانة ولازم مستشفى فورًا.
لكنّي صرخت
خاطفيني وعايز ياخد ابني!
الصمت نزل والناس بصتله برعب. أما هو فكان بيبصلي بوجع حقيقي وقال بصوت مكسور
والله ما كنت ناوي أأذيكي.
لكن فجأة المية نزلت والألم بقى لا يُحتمل. الست اللي جنبي صرخت
دي بتولد!
وفي ثواني الدنيا اتحولت لفوضى؛ حد طلب إسعاف، حد بيزعق، وحد بيحاول يسندني. أما جوزي فكان واقف عاجز لأول مرة. حماته نزلت من العربية بسرعة ولما شافت الناس متجمعة وشها اتغيّر. قربت مني وهي بتحاول تسيطر على الموقف
لازم تيجي معانا حالًا.
لكن الست اللي كانت ماسكاني زعقتلها
إنتِ مجنونة؟! الإسعاف جاية.
حماته بصتلها بحدة
إنتِ مالك؟
لكن الناس بدأت تشك خصوصًا لما صرخت تاني
عايزين ياخدوا ابني مني! العيون كلها راحت ناحيتهم وجوزي أخيرًا قال الجملة اللي قلبت كل حاجة
أنا مش هخليهم ياخدوه.
بصّيتله بعدم استيعاب، حتى أمه لفتتله
إنت بتقول إيه؟
لكنه بصلي مباشرة ولأول مرة من شهور حسيت إنه بيتكلم بصدق كامل قال
أنا غلطت بس مش هسمح لهم يكملوا.
وفي اللحظة دي وصلت الإسعاف. المسعفين نزلوا بسرعة والناس بدأت تبعد حوالينا. كنت بصرخ من الألم وجسمي كله بيرتعش. واحد من المسعفين حاول يساعدني أقف، لكني مسكت فيه بقوة وقلت وسط دموعي
أرجوك ما تسيبهمش ياخدوا ابني.
بصلي باستغراب
مين؟
لكن قبل ما أرد حماتي قربت بسرعة وقالت بابتسامة مصطنعة
هي متوترة بس إحنا أهلها.
جوزي لفّ ناحيتها بعصبية لأول مرة
كفاية. بصتله بصدمة.
أما أنا فكنت ببصله ومش فاهمة؛ هو معايا؟ ولا لسه بيكدب؟ المسعفين دخلوني الإسعاف بسرعة وجوزي حاول يطلع ورايا لكنّي صرخت
لا!
وقف مكانه والوجع في عينه كان واضح بشكل غريب. لكن رغم كل اللي
وصلنا المستشفى بسرعة. الأطباء خدوني فورًا على أوضة الولادة. الدنيا حواليّا كانت مشوشة؛ أصوات، نور أبيض، ناس بتجري. لكن وسط كل ده كنت مركزة على حاجة واحدة بس ابني. فضلت أكرر للدكتورة
ما تسيبوش حد ياخده.
كانت بتحاول تهديني
اهدي إنتِ والبيبي أهم حاجة دلوقتي.
لكن قلبي كان حاسس إن الخطر لسه ما خلصش. بعد وقت مش عارفة قد إيه سمعت صوت دوشة برا الأوضة، أصوات عالية، وبعدين صوت جوزي كان بيتخانق مع حد؛ سمعته بيقول بعصبية
مش هتاخدوه.
أما الصوت التاني فكان صوت أمه
إنت فقدت عقلك؟!
قلبي بدأ يدق برعب. الدكتورة بصت للممرضة بتوتر وقالت
اقفلي الباب.
لكن بعد ثواني الباب اتفتح بالقوة. حماتي دخلت ووشها كان متغير بالكامل؛ لا هدوء ولا ابتسامات، كانت مرعبة. صرخت
الطفل ده لازم يطلع حالًا!
الدكاترة اتصدموا. أما أنا فحميت بطني بخوف. وجوزي دخل وراها بسرعة وهو بيشدها
اطلعي برا!
لكنها زعقت فيه
إنت مش فاهم! لو العلاج اتأخر هتموت!
الصمت وقع للحظة وكل الموجودين بصوا لبعض بعدم فهم. أما أنا ففهمت أخيرًا؛ هي ماكانتش خايفة عليا في يوم من الأيام، هي كانت فعلًا بتموت دلوقتي، وعشان كده كانوا مستعجلين الولادة.
حماتي بدأت تعيط لأول مرة
أنا ربيتك لوحدي بعد كل ده هتسيبني أموت؟!
جوزي كان واقف منهار. واضح إنه بيتقطع من جواه بين أمه، وبيني أنا وابنه. أما أنا فغمضت عيني لحظة وافتكرت كل حاجة؛ ضحكته، اهتمامه، خوفه لما هربت، خوفه
وفجأة صرخت والدكتورة قالت
الولادة بدأت!
الدنيا اتحولت لفوضى تانية؛ الممرضات اتحركوا بسرعة والدكاترة طلبوا تجهيزات. أما حماتي فكانت بتبصلي كأن حياتها معلقة بيا. وفي وسط الألم بصّيت لجوزي؛ كان واقف بعيد وعينه مليانة دموع لأول مرة، همس بصوت خافت
أنا آسف.
واللهجة دي كانت أصدق حاجة قالهالي من يوم عرفته.
بعد ساعات طويلة سمعت أخيرًا صوت بكاء طفل صغير. الصوت اللي كنت مستنياه طول شهور. دموعي نزلت فورًا. الدكتورة ابتسمت وقالت
مبروك ولد.
قلبي اتملّى بحب عمري ما حسيت بيه. لكن الفرحة ما كملتش، لأن أول ما الطفل اتلف في البطانية حماتي قربت بخطوات سريعة. لكن قبل ما تمد إيدها جوزي وقف قدامها وقال بحزم
لأ.
بصتله بصدمة
إنت بتمنعني؟!
رد بصوت ثابت
انتهى.
الصمت نزل على الأوضة كلها. أما هو فلف ناحيتي وقرب مني ببطء وشال الطفل وحطه بين إيديا وقال وهو بيبكي
ده ابنك ومحدش هياخده منك.
في اللحظة دي حماتي انهارت على الكرسي وهي بتعيط، مش من الحزن لكن لأنها فهمت إن كل حاجة خلصت.
بعدها بأيام الحقيقة كلها ظهرت؛ البرنامج الطبي اتقفل واتفتح تحقيق كبير وطلع إن فيه ستات كتير اتعرضوا لنفس الخداع. أما جوزي فقد شغله ورخصته ودخل تحقيقات طويلة. لكن قبل ما يخرج من البيت آخر مرة وقف عند الباب وبصلي وقال
أنا استاهل الكره بس والله حبيتك.
ما رديتش، لأن قلبي وقتها كان مليان وجع أكتر من أي كلام.
بعد شهور كنت قاعدة في أوضة ابني بالليل، ببصله وهو نايم بهدوء وأول مرة أحس إني بأمان فعلًا. لكن قبل ما أطفي النور وصلتلي رسالة من رقم غريب، فتحتها بتردد
لو عرفتي الحقيقة الكاملة عن سبب اختيارك إنتِ بالذات... عمرك ما هتنامي مرتاحة تاني.