فرحة لم تكتمل بقلم: منى السيد
مرة واحدة. إيديها لسه بتترعش، بس مش من العياط.. من الغل.
بصت في الساعة؛ كانت ستة إلا ربع. إبراهيم متعود يرجع ستة ونص، يعني فاضل حوالي أربعين دقيقة.
قعدت فريدة على الكنبة.. واستنت.
الوقت كان بيمر تقيل وممل، وعينيها متثبتة على الباب وقافلة إيدها بقوة. وصوت المكالمة شغال في ودنها زي الأسطوانة المشروخة
فريدة هتنقل لي الشقة برضاها..
وبعدين هطلقها..
الشقة هي المكسب الكبير..
كل جملة كانت بتنزِل على قلبها بجرح، بس مع الجرح كان في ركن بيفوق.. فريدة عرفت الحقيقة في الوقت المناسب.. قبل ما تمضي على ورق ضياعها.
أخيراً.. صوت المفتاح دار في الكالون. الباب اتفتح.
دخل إبراهيم، عينه جت على الشنط المرصوصة، واتسمر في مكانه.. وشه خطف ولونه بقى أصفر، وعينيه بقت تروح وتيجي برعب بين الشنط وبين مراته.
بلع ريقه وقال بصوت مرعوب فريدة.. في إيه؟ إيه الحاجات دي؟
قامت فريدة ووقفت في نص الصالة، مربعة إيدها، وملامح وشها كأنها منحوتة من صخر دي حاجتك..
مش فاهم.. في إيه اللي بيحصل؟
تاخذ الشنط دي.. وتغور بره بيتي!
إبراهيم حاول يرسم ابتسامة صفرا على وشه وقال فريدة.. أنتِ بتتكلمي بجد؟ ده مقلب صح؟ مبأش فيه مجال للمقالب يا إبراهيم.
حاول يقرب ويدخل خطوة جوه الصالة طب خلينا نتكلم.. إيه اللي حصل لكل ده؟
بصت له فريدة بنظرة باردة زجاجية وقالت أنا عرفت كل حاجة.
كل حاجة إيه؟
خطتك القذرة.. لعبك بيا وبمشاعري، وإنك عمرك ما حبتني.. أنت عينك مكنتش غير على الشقة وبس.
وش إبراهيم خطفه اللون الأصفر أكتر واهتز إزاي.. ومين اللي قال لك الكلام الفارغ ده؟
أنت اللي قلته.. سمعتك بودني وأنت بتتكلم في التليفون.. النهارده.. في مكتبك.
فتح بقه وعينيه زاغت، ومبقاش عارف ينطق ولا كلمة.
تابعت فريدة كلامها بمرارة كنت رايحة لك الشركة عشان أعمل لك مفاجأة.. كنت لسه جاية من عند المحامية عشان أعمل لك عقد هبة بنص الشقة، عشان تتهد وتطمن ونفكر في الخلفة!
طلعت
حاول إبراهيم يلم الموضوع ويخترع عذر فريدة.. اسمعيني بس.. أنتِ فهمتِ غلط..
فهمت غلط؟!
انفجر صوتها في الممر زي الرعد فهمت غلط وأنت بتقول له فريدة هتنقل لي الشقة برضاها وبعدها هطلقها؟! فهمت غلط وأنت بتقول دي مغفلة وعلى نياتها وسهل ألعب بيها؟! إيه بالظبط اللي أنا فهمته غلط؟!
تراجع إبراهيم خطوة لورا وقال بلجلجة ده.. ده كان كلام مجالس.. كنت بتباهى قدام صاحبي وبتمنظر عليه مش أكتر..
عشت معايا تلات سنين! تلات سنين بتمثل فيهم الحب! تلات سنين بتذبح في حلم أمومتي وبتساومني بيه.. كل ده عشان حتة شقة؟!
فريدة.. اهدي بس واستعيذي بالله..
اخرس!
رفعَت إيدها في وشه بحسم ولا كلمة زيادة! أنا فعلاً كنت هبلة وعلى نياتها، وصدقت كدبك عن البيت والعيلة والحب.. بس الدرس كان غالي وأنا اتعلمته.
حاول يقرب منها تاني طب نفتح صفحة جديدة ونتكلم..
مفيش كلام.. بكره الصبح هرفع دعوى طلاق، ومش هبطول مني مليم واحد، ولا شبر واحد في البيت ده.
بس يا فريدة..
برا!
مسكت فريدة أول شنطة وزقتها بكل قوتها بره العتبة. حاول يقاوم، بس غضب فريدة وقهرتها ودوها قوة رهيبة؛ زقت الشنطة التانية والتالتة، وخرجت بقية الأكياس.
بقى إبراهيم واقف في طرقة الدور، مذهول ومش مستوعب السرعة اللي انهار بيها كل شيء في دقايق.
فريدة.. افتحي ما تبقيش مجنونة!
بس فريدة رزع الباب بكل ما تملك من عزم، ودارت المفتاح في الكالون، وركبت السلسلة.
بدأ إبراهيم يخبط على الباب بكل جهد، ويرن الجرس باستمرار فريدة! افتحي! خلينا نتفاهم!
كانت واقفة ورا الباب مباشرة، بتنهج وصدرها بيعلو ويهبط، بس محركتش ساكن ولا ردت بكلمة. فضل يخبط حوالي عشر دقائق،
البداية الجديدة
دخلت فريدة الصالة، اترمت على الكنبة وضمت رجليها لصديرها، وفضلت تبص لنقطة في الفراغ. معيطتش؛ لأن دموعها كانت جفت واتحجرت من الصدمة. فضلت قاعدة كده مش دارية بالوقت، لحد ما الدنيا ضلمت تماماً بره وجوه الشقة. قامت دخلت أوضتها، ونامت على السرير بهدومها.
فضلت باصة للسقف.. بتفكر في التلات سنين اللي ضاعوا من عمرها في كذبة كبيرة، في حلم الأمومة اللي اتمزع، وفي الثقة اللي اتدبحت. منامتش غير مع أول خيوط الفجر.. نوم ثقيل ومفيش فيه أحلام.
صحيت على صوت المنبه الساعة سبعة الصبح. يوم عمل جديد. قامت، خدت دوش، لبست، وفطرت.. كل ده بحركات آلية كأنها إنسان آلي.
نزلت وراحت على طول لمحامي عشان ترفع قضية الطلاق. المحامي استلم منها الأوراق وطلب منها الحضور في أول جلسة.
سألها المحامي تفتكري جوزك هيعمل مشاكل أو هيرفض؟
ردت فريدة بكل ثبات يعمل اللي يعمله.. أنا هطلق يعني هطلق.
بعدها راحت شغلها، وقالت لزمايلها إنها غابت إمبارح عشان تعب مفاجئ، ومحدش سألها في تفاصيل. ركزت في شغلها بكل طاقتها عشان تمنع عقلها من التفكير في إبراهيم.
تليفونها ميرنش.. إبراهيم اتصل
أكتر من خمسطاشر مرة في اليوم، وبعت رسايل استعطاف ورغبة في الكلام، بس فريدة عملت له حظر من كل حتة.
رجعت البيت بالليل.. الشقة كانت باينة واسعة وفاضية من غير كراكيب إبراهيم وحاجته، بس مع الفراغ ده، دخل البيت راحة بال ونوع من السكينة.
قعدت في المطبخ ومعاها كباية شاي، وبصت من الشباك على شوارع القاهرة المليانة زحمة وحركة؛ الدنيا ملقفتش، والحياة مستمرة.
تخيلت فريدة لو كانت اتأخرت ساعة واحدة بس.. لو مكنتش راحت الشركة.. كانت زمانها ضيعت شقة عمرها وبقت ضحية لنصاب محترف. حست إن ربنا
مر شهر.. إبراهيم حاول بكل الطرق يوصل لها؛ وقف تحت العمارة، واستناها قدام الشركة، بس كانت بتتجاهله كأنه هوا.
في المحكمة، حاول إبراهيم يقدم أعذار للقاضي، ويقول إن الموضوع سوء تفاهم وإن مراته فهمت كلامه غلط. القاضي سمع الطرفين، وبص لفريدة وسألها هل مصممة على الطلاق يا مدام فريدة؟
ردت بكل قوة وثقة أيوه يا فندم.. مصممة.
وحكمت المحكمة بالطلاق. إبراهيم مطلعش بمليم واحد؛ الشقة فضلت باسم فريدة لأنها ورث ومن قبل الجواز، وحاجتهم المشتركة مكنش ليها قيمة لأنهم معملوش أي أصول جديدة طول التلات سنين، وإبراهيم مكنش بيحوش باسمها حاجة.
خرجت فريدة من باب المحكمة، وحست بنسمة هوا باردة بتدخل صدرها.. أخيراً الكابوس انزاح، وكل حاجة انتهت.
مرت شهور.. والحياة بدأت ترجع لمجراها الطبيعي. فريدة مبقتش تتخض لو الجرس رن، ومبقتش تبص وراها وهي ماشية في الشارع. رجعت لشغلها، لبيتها، ولمتها مع أصحابها.. حياة بسيطة وصافية.
حلمها في الخلفة والأمومة منتهش ولا مات، بس بقت مستوعبة إن الواحدة تعيش لوحدها بكرامتها، أفضل مية مرة من إنها تعيش مع خائن ومخادع. يمكن في يوم من الأيام تقابل الراجل اللي يستاهل ثقتها.. ويمكن لأ، بس الأهم إنها حمت نفسها في الوقت المناسب.
في يوم من الأيام، صاحبتها الأنتيم كانت قاعدة معاها وسألتها فريدة.. أنتِ ندمانة؟
فكرت فريدة لثواني وقالت أندم على إيه؟ على إني بعدت عن واحد كان جاي يسرقني ويهد حياتي؟
يعني.. قصدي إنكم عشتوا مع بعض تلات سنين..
قاطعتها فريدة وقالت تلات سنين من الكدب.. لأ يا حبيبتي، مش ندمانة.
ودي كانت الحقيقة الحرفية.. فريدة مكنتش ندمانة على فراقه، كانت بس زعلانة على نفسها إنها مشافتش الخداع ده من الأول. بس الحياة علمتها درس العمر متصدقش الكلام المعسول، وتبص للأفعال والمواقف.. مش للوعود.
وعاشت فريدة حياتها.. في شقتها.. وسط دنيتها.
النهاية