لما أخدت ست عجوز تعيش معاها

لمحة نيوز

كانت الدكتورة سلمى كل يوم تصحى قبل الفجر بساعة، تلبس البالطو الأبيض اللي بهت لونه من كتر الغسيل، وتخرج من الشقة القديمة اللي عايشة فيها مع أمها في حارة ضيقة من حواري شبرا. السقف كان بينقط شتا، والحيطان متشققة، والباب الخشب محتاج دفعة قوية عشان يتقفل. بعد موت أبوها الدنيا قلبت عليهم، خصوصًا لما طلع ناس كبار عايزين ياخدوا قطعة الأرض الصغيرة اللي ورثها لهم بالعافية، وكل شوية محامين وقضايا وتهديدات.

سلمى كانت عايشة حياتها بين شغل مرهق في مستشفى حكومي وبيت مليان هموم. مرتبها يادوب يكفي العلاج والأكل والفواتير. وكل ما حد يشوفها يقول نفس الجملة اللي حفظتها:

"دكتورة وجميلة ومحترمة.. لسه متجوزتيش ليه؟"

فتضحك ضحكة باهتة وتقول:
"قسمة ونصيب."

لكن الحقيقة إن النصيب كان دايمًا بيتأخر، والسنين كانت بتجري أسرع منها.

في يوم حر جدًا من أيام الصيف، كانت

قاعدة في المعمل بتكتب نتائج التحاليل، والمروحة القديمة فوق دماغها بتطلع صوت مزعج أكتر ما بتطلع هوا. دخلت عليها ست عجوز جسمها مهزوز، ماسكة في إيد بنت شابة شايلة طفل صغير على كتفها.

البنت كانت متنرفزة بشكل مخيف، وشها محمر وعنيها مليانة غضب.

شدت العجوز وقالت:
"خدي يا دكتورة اعمليلها تحاليل، وإن شاء الله يطلع عندها سكر وتموت وتريحنا."

سلمى رفعت عينيها بصدمة وقالت:
"إيه الكلام ده؟ حرام عليكي."

البنت ردت بعصبية:
"حرام؟! دي مجننانا. بترش مية على الناس في الشارع. كل الجيران اشتكوا منها. أنا مستحملاها بقالي خمس سنين."

العجوز كانت ساكتة، عينيها بس مليانين دموع.

سلمى قربت منها وقالت بحنية:
"ليه بتعملي كده يا حاجة؟"

العجوز بصتلها ببراءة طفل وقالت:
"الناس حرانة يا بنتي... برش عليهم شوية مية يبردوا."

الكلمة نزلت على قلب سلمى زي السكينة.

البنت اتنفست

بعصبية وقالت:
"جوزي بقى مقاول ومعاه فلوس دلوقتي، ومش ناقص فضايح. نفسي أخلص منها. والله لو تعرفيلنا دار مسنين نرميها فيها تبقي عملتي فيا معروف."

سلمى سكتت لحظة، وبعدين قالت بهدوء:
"أنا هاخدها تعيش معايا."

البنت بصتلها بذهول:
"بجد؟"

"آه. أنا وأمي لوحدنا."

العجوز أول ما سمعت الجملة انفجرت في العياط، وبقت تبوس إيد سلمى وهي بتقول:
"ربنا يجبر بخاطرك يا بنتي."

أخدتها معاها البيت.

أم سلمى أول ما شافتها رحبت بيها كأنها تعرفها من سنين. دخلتها المطبخ، عملتلها شاي، وفضلوا يحكوا سوا لحد نص الليل.

ومن يومها البيت اتغير.

بقى فيه صوت ضحك بعد ما كان كله صمت. الحاجة أمينة كانت تقعد تحكي حكايات زمان، وتضحك من قلبها، وأم سلمى تضحك معاها.

حتى الجيران استغربوا.

مرة سلمى رجعت من الشغل تعبانة، لقت أمها والحاجة أمينة قاعدين يضحكوا على فيلم أبيض وأسود، والريحة

طالعة من المطبخ أكل بيتي جميل.

وقفت تبصلهم ودموعها نزلت لوحدها.

أول مرة تحس إن البيت فيه روح.

الحاجة أمينة كانت بسيطة جدًا. تقوم الصبح تكنس البيت، وتعمل شاي، وتفضل تدعي لسلمى:
"ربنا يرزقك بابن الحلال اللي يشيلك فوق راسه."

وساعات كانت تصحى بالليل مفزوعة، تقعد تعيط وتقول:
"بنتي ضربتني عشان رشت المية."

وسلمى تهديها زي الأطفال.

مرت أسابيع، والحاجة بقت واحدة من البيت.

وفي يوم، وسلمى في المستشفى، تليفونها رن.

كانت أمها.

صوتها كان مرعوب:
"تعالي بسرعة يا بنتي... في حاجة حصلت."

"في إيه يا ماما؟"

لكن الخط اتقفل.

سلمى قلبها وقع. خرجت تجري من المستشفى، وركبت أول ميكروباص وهي بتترعش.

طول الطريق كانت متخيلة مصيبة. يمكن أمها جرالها حاجة. يمكن الحاجة أمينة ماتت.

وصلت الحارة، ولقت ناس كتير واقفين قدام البيت.

قلبها وقف.

طلعت السلم جري، ولما دخلت

الشقة اتصدمت.

البيت كله متغير.

فيه رجال لابسين بدل شيك، وقاعدين في الصالة.

وأمها قاعدة بتعيط.

تم نسخ الرابط