الأمومة مش بالدم وبس

لمحة نيوز

بسرعة.
وفي الطريق أمي اتصلت وقالت
ريم تعبانة ومتوترة.
قلت
سلمى في المستشفى.
سكتت شوية، وبعدين قالت
بس ريم جالها طلق من الزعل.
حتى في اللحظة دي ريم الأول.
غمضت عيني وقلت
يبقى تكلم دكتورها.
ولما وصلنا، الممرضة بصتلنا وقالت
سلمى طلبتكم بالاسم.
دخلنا لقيناها تعبانة جدًا، لكن أول ما شافتني قالت
خليكي جنبي.
وبعد ساعات دخلت العمليات.
وليلتها ليان اتولدت.
صغيرة جدًا.
بس عايشة.
وأحمد وقف يبكي أول ما شافها.
وأنا واقفة قدام الحضّانة حاسة إن روحي رجعتلي.
تاني يوم، وإحنا قاعدين في المستشفى، دخلت ريم مع أهلي.
أول ما شافت الكارت اللي في هدومي والمكتوب عليه ولي أمر مصرح له، وشها اتغير.
وقالت
إزاي يعني؟
قلت
كل حاجة متسجلة رسمي.
ضحكت وقالت
بس دي مش بنتك الحقيقية.
المكان كله سكت.
وأبويا لأول مرة قال بصوت عالي
ريم عيب.
لكنها كملت
أنا بقول الحقيقة واحدة تمضي ورق وتاخد طفل؟!
وقفت بهدوء وقلت
إحنا في مستشفى يا ريم.
قربت مني وقالت
إنتِ سرقتي لحظتي.
هنا فهمت الحقيقة.
هي ماكنتش غيرانة من الاسم.
ولا من الأوضة.
هي كانت غيرانة إني بقيت أم من غير ما هي تكون رقم واحد في المشهد.
وفي اللحظة دي خرجت الدكتورة من القسم، وبصتلي مباشرة وقالت
مدام جنة، محتاجين تأكيد حضرتك على بيانات دكتور الأطفال الخاص بليان.
المكان كله سكت.
وريم بصت للدكتورة، وبعدين ليا، وقالت بصوت مهزوز
ليه هي اللي بتوقّع؟
الدكتورة ردت بهدوء
لأن الأم المسؤولة
عن الطفلة سجلتها في الملف كشخص مسؤول ومصرح له.
جملة بسيطة.
لكنها كسرت كل حاجة كانت ريم بتحاول تثبتها.
وقتها بس الكل فهم إن الأمومة مش بس حمل وولادة.
الأمومة إنك تكوني موجودة.
مستعدة.
شايلة المسؤولية بقلبك قبل إيدك.
وإن فيه أطفال بيتولدوا من الحب والتعب والصبر مش من الدم وبس.
ريم فضلت واقفة مكانها بعد كلام الدكتورة، وشكلها لأول مرة كان مكسور فعلًا. مش الغضب اللي متعودة تخبيه ورا الثقة، لأ دي كانت صدمة. كأنها طول عمرها فاكرة إن أي حاجة نفسها فيها لازم تبقى ليها، وفجأة اكتشفت إن الدنيا مش بتلف حوالينها.
أمي حاولت تمسك إيدها، لكن ريم بعدتها بعصبية وقالت
يعني خلاص؟ بقيت هي الأم؟ بالسهولة دي؟
المحامية اللي كانت قاعدة معانا قفلت الملف وقالت بهدوء
مفيش حاجة هنا سهلة يا مدام. الناس دي عدّت بإجراءات وتعب نفسي وقانوني شهور طويلة.
ريم ضحكت بسخرية
يعني الورق بقى أهم من الدم؟
وقبل ما حد يرد، صوت جهاز إنذار طلع من آخر الطرقة، وكل الممرضات اتحركوا بسرعة ناحية الحضّانة.
قلبي وقع.
الدكتورة ندى بصتلنا بسرعة وقالت
في مشكلة بسيطة مع تنفس البيبي إحنا بنتعامل.
بسيطة.
الكلمة دي المفروض تطمن لكنها خوفتني أكتر.
أحمد مسك إيدي بقوة، وأنا حسيت رجلي مش شايلاني.
ريم كانت لسه واقفة، لكن لأول مرة محدش بص ناحيتها.
كل العيون راحت على باب الحضّانة.
كل حاجة بقت عن ليان.
عدت عشر دقايق حسّيتهم سنين.
وبعدين خرجت ممرضة وقالت
محتاجين
حد من أولياء الأمور يمضي على إجراء سريع.
من غير ما أفكر، قمت فورًا.
ريم بصتلي، ولسه الصدمة في عينيها.
الممرضة سألت
حضرتك مدام جنة؟
أيوه.
اتفضلي.
ومجرد ما دخلت وراها، سمعت ريم تقول بصوت عالي
دي مش أمها!
المرة دي أبويا هو اللي رد.
بصوت عمري ما سمعته منه قبل كده
كفاية يا ريم!
الممرضة وقفت وبصتلها بحدة
لو سمحتِ وطي صوتك. دي حضّانة أطفال.
ساعتها ريم سكتت.
أول مرة حد يوقفها قدام الناس وما تلاقيش حد يدافع عنها.
دخلت الحضّانة، وشفت ليان جوه الحضانة الصغيرة، جسمها أصغر من إيدي تقريبًا، وأسلاك حوالينها، ونفسها سريع وضعيف.
الدكتورة قالت
في مشكلة بسيطة في الرئة بسبب الولادة المبكرة، بس إحنا متابعين.
أنا كنت ببص عليها ومش سامعة أي حاجة غير صوت نفسي.
ولأول مرة في حياتي حسيت بالخوف الحقيقي.
مش خوف إني أخسر حلم.
خوف إني أخسر بنتي.
وقّعت الورق وإيدي بتترعش.
وأحمد وقف جنبي وقال
هتبقى كويسة بإذن الله.
خرجنا بعد شوية لقينا أمي قاعدة بتعيط بهدوء.
أما ريم فكانت اختفت.
وأبويا قال
جوزها خدها ومشي.
هزيت راسي وسكت.
بصراحة ماكنش فارق معايا.
عدت الأيام اللي بعد كده ببطء مرعب.
حياة كاملة جوه المستشفى.
مواعيد رضاعة.
أجهزة.
تحليل.
دكاترة.
دعوات.
وساعات طويلة وأنا قاعدة جنب الحضّانة أتكلم مع ليان كأنها سامعاني.
كنت أقولها
أنا هنا ماتخافيش.
وساعات أبقى أنا اللي محتاجة حد يقولهالي.
سلمى كانت بتتحسن شوية شوية، لكن كان
واضح عليها الوجع.
وفي ليلة متأخرة، وأنا قاعدة معاها، قالتلي
إنتِ عمرك ما حسستيني إني مجرد وسيلة.
بصيتلها ودموعي نزلت.
قالت
كنت خايفة بعد ما أولد تحسسوني إني اختفيت.
مسكت إيدها وقلت
إنتِ هتفضلي جزء من قصة ليان طول عمرها.
ساعتها عيطت.
وأنا عيطت معاها.
لأن الحقيقة إن الأمومة عمرها ما كانت منافسة بين ست وست.
لكن الناس هي اللي بتحولها لحرب.
بعد أسبوع تقريبًا، ريم ولدت.
بنت جميلة بصحة كويسة.
وأمي اتصلت بيا الصبح وقالت
سمّوها مريم.
سكت شوية، وبعدين قالت
ماسموش ليان.
ابتسمت لأول مرة من قلبي.
قلت
الحمد لله.
لكن المفاجأة الحقيقية حصلت بعدها بيومين.
كنت قاعدة جنب ليان في الحضّانة، لما لقيت حد واقف عند الباب.
رفعت عيني لقيت ريم.
وشها كان مرهق جدًا، وشكلها تعبان.
وفي إيدها بوكيه ورد صغير.
دخلت ببطء وقالت
ممكن أتكلم معاكي؟
أحمد بصلي يستأذن، وأنا هزيت راسي.
خرج وسابنا.
ريم فضلت ساكتة شوية، وبعدين بصت على ليان وقالت
هي أصغر بكتير مما تخيلت.
ما رديتش.
قالت بصوت مكسور
أنا كنت بغير منك.
ضحكت بسخرية خفيفة وقلت
أخيرًا قولتي الحقيقة.
دموعها نزلت فورًا.
طول عمري كنت بحس إنك أحسن مني حتى وإنتِ ساكتة ولما عرفت إنك هتبقي أم، حسيت إني هخسرك تمامًا.
فقررتي تسرقي اسمي؟
قررت أسرق أي حاجة تخلي الناس تبصلي زي ما بيبصولك.
الجملة دي وجعتني أكتر من أي إهانة قالتها قبل كده.
لأنها كانت حقيقية.
بصيت على بنتها اللي في الصورة
على موبايلها، وبعدين على ليان.
وقلت
الأطفال دول مالهمش ذنب في أمراضنا.
ريم هزت راسها وهي بتعيط.
أنا آسفة.
ولأول مرة حسيت إنها فعلًا تقصدها.
مش عشان الناس
تم نسخ الرابط