الأمومة مش بالدم وبس

لمحة نيوز

اسمي جنة، وعندي تلاتين سنة. الساعة كانت حوالي أربعة ونص عصر يوم سبت في أبريل، لما أختي ريم وقفت على باب أوضة البيبي، حاطة إيدها على بطنها وهي حامل في آخر شهورها، وقالتلي بكل برود
ماهو مش كأنكِ بتستخدمي الأوضة يعني.
الأوضة كانت أخضر هادي فاتح. أنا اللي دهنتها بإيدي في أسبوع كنت بخاف فيه من الأمل، بس محتاجة أتمسك بيه. كان فيه سرير أبيض صغير عند الحيطة، وكرسي هزاز جنب الشباك، ومكتبة صغيرة على شكل بيت، ولعبة نجوم وقمر معلقة في السقف.
وعلى الكومود كان فيه صورة سونار متحطوطة في برواز مش خارجة من جسمي أنا، بس كانت تخص مستقبلي.
ريم كانت عارفة ده كله.
عارفة إن اختيار السرير أخد مني تلات شهور، لأن كل مرة كنت بفتح موقع فيه حاجات أطفال كان قلبي بيوجعني.
وعارفة إن اللحاف اللي على الكرسي الهزاز كانت حماتي عملاه من هدوم جوزي أحمد وهو صغير.
وعارفة إن الاسم اللي فوق السرير بحروف دهب، اخترناه بعد مرتين فقدت فيهم حملي، وبعد رحلة علاج طويلة فشلت، وبعد إجراءات كفالة طفلة كنت خايفة حتى أحكي عنها لحد، عشان كنت مؤمنة إن بعض الأحلام لو اتقالت بدري ممكن تنكسر.
ليان.
ده كان اسم بنتي.
ريم بصت على الاسم وابتسمت وقالت
إحنا كمان هنسمّي بنتنا ليان ليان سارة. لايق أكتر مع اسم عيلتنا.
أمي اللي كانت واقفة وراها شهقت بخفة.
أبويا بص للأرض.
وأحمد سكت تمامًا جنبي.
قلت
ريم إنتِ كنتِ عارفة

الاسم.
هزت كتفها وقالت
يعني الأسماء مش ملك حد يا جنة.
وبعدين دخلت الأوضة ولمست سرير البيبي وقالت
بصراحة بما إن بنتي جاية أكيد، ماما قالت ممكن نستلف شوية حاجات من هنا لحد ما تتأكدي.
لحد ما أتأكد.
كأن كل الورق، والمقابلات، والتحريات، والإجراءات، والبنت اللي اختارتني أربي طفلتها كل ده لعبة.
ماعيطتش.
ومازعقتش.
مع إني كان نفسي أطردها بره.
أنا بس بصيت على إيدها فوق سرير بنتي وعديت لحد سبعة في سري.
اللي هما ماكانوش يعرفوه وقتها إن في مستشفى الرحمة، على بعد كذا منطقة، بنت اسمها سلمى كانت ماضية ورق رسمي حاطة فيه اسمي أنا كأول شخص يتصلوا بيه لو حصل أي طارئ.
مش أمي.
ومش ريم.
أنا.
لأن الطفلة اللي الكل بيتعامل معاها كأنها مش أكيدة كان ليها ملف رسمي، ودكتور أطفال متابع حالتها، وخطة ولادة، واسمي مكتوب في بيانات التواصل.
أنا طول عمري عشت في بيت كل حاجة فيه اسمها منافسة بين أخوات.
بس الحقيقة ماكنتش منافسة.
كانت ريم لازم تكسب دايمًا.
لو نجحت، يحتفلوا.
لو أنا نجحت، يقولوا عادي أصلها شاطرة.
لو ريم زعلت، البيت كله يتقلب عشان يرضوها.
أما أنا، فكنت العاقلة اللي تستحمل.
أبويا كان راجل هادي، يهرب من أي مشكلة.
وأمي كانت شايفة إن العدل معناه إن ريم عمرها ما تحس إنها أقل من أي حد.
كانت دايمًا تقول
أختك حساسة.
والجملة دي كانت بتبرر أي حاجة.
ريم تاخد هدومي؟ عادي.
تكرر كلامي وتاخد
الضحكة؟ عادي.
تضايقني وتعيط قدام الناس؟ يبقى أنا الغلطانة.
كبرت وأنا متعودة أخبي وجعي.
اتجوزت أحمد، مدرس موسيقى محترم وهادي، وفتحنا بيت صغير كله أمل.
كنا نفسنا في طفل.
في الأول الموضوع كان بسيط أسماء أطفال مكتوبة على ورق، وضحك، وأحلام.
وبعدين بقى مستشفيات وتحاليل وفقدان.
أول مرة فقدت حملي كنت في الأسبوع التاسع.
والتانية بعدها بشهور.
وبعدها بدأت رحلة العلاج اللي استنزفتني نفسيًا.
لحد ما دخلت سلمى حياتنا.
بنت صغيرة عندها اتنين وعشرين سنة، ظروفها صعبة، ومش قادرة تربي طفلتها، لكنها كانت عايزة بنتها تعيش وسط ناس تحبها بصدق.
في أول مقابلة بينا، كانت قاعدة ماسكة كوباية شاي نعناع بإيديها الاتنين.
وقالتلي
أنا ارتحتلك.
الكلمة دي دخلت قلبي.
وبعد أسابيع اختارتنا أنا وأحمد.
ومن يومها بدأت أجهز أوضة ليان واحدة واحدة.
بخوف.
وبدعاء.
لكن أول ما ريم عرفت، بدأت تقلد كل حاجة.
لون الحيطة.
السرير.
حتى اللعبة المعلقة.
وفي حفلة استقبال البيبي بتاعتها وقفت قدام الناس وقالت
وأخيرًا اخترنا اسم بنتنا ليان.
الناس سقفت.
والتورتة مكتوب عليها ليان.
والشموع مكتوب عليها بيبي ليان.
وأمي قربت مني وقالت
ما تعمليش وش.
وأنا أصلًا ماكنتش اتحركت.
بعد الحفلة قلتلها
هي كانت عارفة يا ماما.
قالت بتعب
الأسماء مش ملك حد.
بس اختارت نفس الاسم بعد ما عرفته.
أمي بصتلي وقالت الجملة اللي فهمتني كل حاجة
ريم
حامل فعلًا يا جنة سيبيها تفرح.
يعني بنتها حقيقية.
أما بنتي أنا لسه محتاجة إثبات.
رجعت البيت يومها وحطيت الشمعة اللي عليها اسم بنتي في درج وقفلت عليه.
وماقولتش لسلمى أي حاجة.
ماكنتش هسمح للقبح ده يقرب منها.
وفي أبريل، ريم بقت تقلد كل تفصيلة عندي.
حتى شنطة البيبي.
وحتى الرسومات اللي على الحيط.
ولما جم عندي البيت، كنت فاكرة إنهم جايين يتكلموا.
طلعوا جايين يقارنوا.
ريم دخلت أوضة البيبي وقالت
الأوضة عندك نورها أحلى.
قلت
إنتوا جايين ليه؟
أمي قالت
ريم كانت عايزة تشوف ترتيبك.
قلت
ما عندها أوضتها.
ريم ضحكت وقالت
ممكن آخد الكرسي الهزاز بعد الولادة، بتاعي مش مريح.
قلت
لأ.
بصتلي باستغراب.
وأحمد قال بهدوء
جنة قالت لأ.
ريم حطت إيدها على بطنها وقالت
التوتر مش كويس للحامل.
بصيتلها وقلت
يبقى ماتعمليش توتر.
وساعتها قالت الجملة اللي عمري ما هانساها
ماهو مش كأنكِ بتستخدمي الأوضة.
أحمد اتقدم خطوة وقال
اتفضلي اطلعي بره.
ضحكت كأنه بيبالغ.
وجوزها قال
يلا يا ريم إحنا مش محتاجين حاجتهم.
حاجتهم.
مش أوضة بنت.
مش حلم.
مجرد حاجات.
بعد ما مشيوا، فضلت واقفة ماسكة سرير ليان.
وأحمد قال
ممكن نغير الاسم.
بصيت على الحروف الدهب وقلت
لأ هي مش من حقها تصغر حلمنا.
الساعة سبعة وربع تقريبًا، تليفوني رن.
رقم مستشفى الرحمة.
رديت بسرعة.
الدكتورة قالت
مدام جنة؟ سلمى دخلت المستشفى بحالة تسمم حمل، وممكن
نولدها بدري.
قلبي وقف.
وقالت كمان
حضرتك أول شخص مسجل في خطة الولادة.
في اللحظة دي كل حاجة اختفت.
مافضلش غير سلمى والبنت.
طلعنا المستشفى
تم نسخ الرابط