الانتقام
المحتويات
عمري ما قلقت من الفواتير؟
عمرهم ما سألوا إزاي كنت بساعدهم دايماً وهما فاكرين إني على قد حالي؟ لما ريتشارد خسر شغله من خمس سنين وكان هيخسر بيته، كتبتله شيك وقولتله إن ده ترتيب مؤقت وخليته يصدق إني بطلع من مدخراتي اللي شايلاها للزمن عشان أقف جنبه. لما جابرييل احتاج تقويم وريتشارد كان بيقول ممكن نستنى 6 شهور، دفعت التكاليف من سكات وقولتله إن ده تعويض تأمين قديم جالي. لما الكنيسة احتاجت تبرعات، أنا اللي دفعت تبرع فاعل خير اللي رمم السقف.
قضيت 15 سنة بتفرج على الناس بتبان حقيقتها إيه لما يفتكروا إني ماليش لازمة أو مصلحة عندهم.
والكريسماس جه عشان يديني الإجابة في أبشع صورها.
لفيت ميدالية المفاتيح في إيدي وابتسامة خفيفة رسمت على وشي.
همست لنفسي في المطبخ الفاضي تمام.. خلينا نعمل الموضوع ده صح.
الليلة دي نمت والنور مطفي، وبدأت أفتكر كل كسرة نفس بلعتها السنين اللي فاتت.
الموضوع ما كانش خيانة واحدة كبيرة. العائلات نادراً ما بتتفكك في لحظة واحدة. كانت جروح صغيرة وكتيرة، كل جرح لوحده ممكن يعدي، بس لما يتجمعوا، بيصفوا دم الواحد لو سكت عليهم.
كارلا كانت أستاذة في النوع ده من الوجع.
ما كانتش بتدخل في خناقة مباشرة أبداً. قسوتها كانت شيك، مترتبة، وممكن تنكرها بسهولة.
كانت بتبان في ضحكتها وهي بتبص
في طريقتها وهي بتقول مارجريت، يا حبيبتي تعبتي نفسك وجبتي طاجن معاكي، وهي بتحط الأكل بتاعي في آخر الترابيزة كأنه مش تبعهم.
في الكريسماس اللي فات، لما شافت التليسكوب البلاستيك الصغير اللي شقيت عشان أجيبه لحفيدي جابرييل وقالت كيوت أوي.. بس أهلي جابوله اشتراك في معسكر برمجة، فممكن ده يفضل عندك في البيت أحسن.
في الصورة العائلية اللي رتبتها في العيد اللي فات، قعدت ترص ولاد العم والأزواج والأطفال وحتى خالة الجيران، وبعدين لفت ليا بتمثيلية بايخة وقالت يا خبر! مفيش مكان خالص.. معلش صورينا إنتي بقى.
وصورتهم.
تخيلوا؟
وقفت ببتسم وأنا شايفة عيلتي بتضم على بعض قدام الكاميرا وسابوني وراها.
وريتشارد؟
ده كان الوجع الأعمق. لأنه مش شرير زي كارلا، هو أوحش.. هو سلبي. من نوعية الرجالة اللي فاكرة إن الأدب هو إنه يتجنب المشاكل وهو شايف الأذى بيحصل قدام عينيه. بقى واحد من اللي مالهوش ضهر، سايب شخصيات تانية تقرر أخلاق البيت وهو يمثل إنه مظلوم لما حد يلومه.
فاكرة أول مرة شوفت فيها ده بوضوح.
كان في عيد ميلاد جابرييل الخامس. كارلا كانت مأجرة ساحر ونطيطة، ومحولة الجنينة للوحة فنية. روحت بدري ومعايا كتب مغلفة وبطانية هاند ميد كنت عاملاها بإيدي، قماش أزرق وأصفر وعليه نجوم. اشتغلت فيها أسابيع بالليل، صوابعي
وقفت مكاني في المطرقة، ريتشارد كان واقف هناك، ساند على الرخامة وفي إيده إزازة بيرة، وسمع كل كلمة.
كل اللي عمله إنه ضحك بضيق وقال ماما بتحب الحاجات القديمة.
ده كان اليوم اللي فهمت فيه إني ما ينفعش أعتمد على ابني يحميني من القسوة اللي جوه بيته.
فبطلت أتوقع منه حاجة.
بس التوقعات حاجة، والوجع حاجة تانية.
على نص الليل، كنت نقلت من مرحلة الحزن لمرحلة الخطة.
لو عيلتي عايزين هما اللي يحطوا شروط الكريسماس.. تمام.
أنا هحط شروط أحسن بكتير.
تاني يوم الصبح، عملت حاجة ما عملتهاش من سنين.
روحت لبيت ريتشارد من غير ما أتصل.
كارلا فتحت الباب وهي لابسة بلوفر كشمير كريمي، وعلى وشها علامات الضيق مدام مارجريت! ما كناش مستنيينك.
قلتلها أيوة.. أنا عارفة.
ما وسعتليش الطريق فوراً. وقفت في الباب بطريقة تبين إنها مش راضية، بس سايبة لنفسها مخرج عشان محدش يتهمها بقلة الذوق. ريحة البيت كانت شمع صنوبر وقهوة غالية.
قلتلها جيت أشوف جابرييل.. وأتكلم
ملامحها اتغيرت شوية. مش خوف، بس حسابات. ضحكت وفتحت الباب طبعاً، اتفضلي.
دخلت الصالة، والرخام كان ساقع تحت رجلي. شجرة كريسماس عملاقة متزينة بالفضة والأبيض، جميلة بس باردة. شجرة معمولة عشان تتصور مش عشان تتحب. مفيش فيها أي ذكرى، مفيش فيها أي حاجة معموله بالإيد.
ريتشارد ظهر من الأوضة اللي جوه ماما.
وشه فضح كل حاجة قلق، ذنب، ونتفخ عشان جيت فجأة.
قبل ما يتكلم، جابرييل جرى عليا وهو بيصرخ بضحكة منورة وشه تيتااااا!
قلبي وجعني من الفرحة وهو بيترمي في حضني، بس قبل ما يوصلي، إيد كارلا نزلت على كتفه جابرييل، حبيبي روح خلص واجبك.. الكبار بيتكلموا.
الولد وشه اطفى بس يا ماما، تيتا...
الواجب الأول.
بصيت لجابرييل، النظرة اللي بينا كانت بتقول كل حاجة. اعتذار، حيرة، وشوق.
قلتله ماشي يا حبيبي، هشوفك قريب.
كارلا قعدت قدامي على الكنبة اللي أنا كنت شارياها ليهم هدية السنة اللي فاتت، وحطت رجل على رجل بمنتهى التعالي.
بدأت كلامها أتمنى تكوني فاهمة إن الموضوع مش شخصي.
الجملة دي خلتني ابتسم. القسوة دايماً بتبدأ بالجملة دي في البيوت الشيك.
قلتلها إيه اللي مش شخصي؟ إني اتقالي ما تجيش؟ ولا إن حفيدي اتحرم من حضني قدام عيني؟
ريتشارد حاول يتدخل ماما...
قلتله لأ.. أنا عايزة أسمع.
كارلا اتنفست بعمق
متابعة القراءة