المليونير مشي ورا البنت اللي بتمشي ٨ كيلو للمدرسة.. واللي شافه جوه بيتها كسره
عمرها ما اشتكت.. لا من البرد، ولا من المشوار، ولا حتى من الجزمة اللي كانت بتدوب مع كل خطوة.
كل يوم الصبح وقبل ما الشمس تطلع، كانت سلمى بنت ال ٨ سنين بتمشي أكتر من ٨ كيلو لوحدها عشان توصل لمدرستها الابتدائي في كفر الحطبة. العربيات كانت بتعدي من جنبها، والنقل كان بيطرطش طينة على رجلها، والناس كانت بتلمح الجاكت الأحمر على جنب الطريق وتكمل طريقها عادي. أغلب الناس كانت بتشوفها بس عشان تنساها.
لحد ما في يوم، إبراهيم بيه هدى سرعة عربيته المرسيدس السوداء، ووقف يراقبها وهي بتربط رباط جزمتها المقطوع بحتة دوبارة طلعتها من جيبها. دي كانت أول حاجة وقفته.. تاني حاجة كانت اللي عملته في غداها.. تالت حاجة كانت اللي شافه من شباك بيتها. وبعدها، إبراهيم بيه المليونير اللي قضى سنين بيتبرع من بعيد لبعيد فهم أخيراً إن في أطفال مش بس ماشيين للمدرسة، دول شايلين حياة كاملة فوق كتافهم.
قبل الشروق، كانت القرية لسه بتبدأ تفوق. الضباب نايم فوق الغيطان والترع، والندى مغطي الطريق. في آخر ممر ترابي، كان في بيت قديم حيطانه مشققة وميل من الزمن. سلمى قفلت الباب براحة بإيديها الاتنين عشان ما يعملش
وقفت على العتبة لحظة وسمعت.. مش بتسمع لخطر، بتسمع عشان تطمن إن البيت لسه واقف وإن كل حاجة تمام. لمبة الصالة كانت لسه منورة، أمها نامت وسابتها شغالة تاني. دخلت سلمى جوه، خطواتها خفيفة على الأرضية القديمة. ريحة البيت كانت خليط من شوربة بايتة وريحة الدوا النفاذة. هدى، أم سلمى، كانت نايمة على الكنبة ومتغطية ببطانية خفيفة، ولامة نفسها كأنها بتحاول تصغر بجسمها.
سلمى فضلت مراقبة نَفَس أمها.. طالع.. نازل.. طالع.. وساعتها بس بدأت تتحرك. زمان كان في صوت خطوات تانية في البيت، خطوات تقيلة ومطمئنة، بس ده كان من سنين قبل ما المرض والسكوت يملوا المكان. من يومها، كل حاجة وقعت في إيد هدى.. ومن بعدها بالراحة في إيد سلمى.
على التربيزة اللي جنب الكنبة، كان في طبق فل عليه شريط الدوا، سلمى رصتهم بدقة الصبح، الضهر، الليل.. وعود صغيرة مرصوصة. جنبهم كان في كوباية مكسورة فيها شوية مية. سلمى قربتها من إيد أمها، وملت الكلمن مية من غير ما تشرب هي ولا بوق. همست ماما.. كانت مجرد نَفَس مش صوت.
طلعت سلمى بره وقفت الجاكت الأحمر القديم بتاعها كويس. كان واسع عليها، كأنه كان بتاع حد تاني قبلها. وشنطتها كانت بهتت من كتر الاستخدام. الهوا الساقع دخل صدرها وطلع زي سحابة بخار صغيرة، وبدأت تمشي. صوت الحصى كان بيخرفش تحت جزمتها اللي نعلها ممسوح. سلمى كانت ماشية على طرف الطريق، رلسها مش مرفوعة أوي، وإيديها ضاماها لصدرها، ماشية بانتظام طفلة معندهاش رفاهية إنها تتأخر.
على بعد مسافة، كانت العربية السوداء ماشية وسط الضباب كأنها من عالم تاني. ورا الدريكسيون كان إبراهيم بيه، مركز في طريقه وعنده اجتماع مهم الصبح. المنطقة دي بالنسبة له كانت مجرد طريق بيعديه بسرعة عشان يوصل. بس لقاها تاني.. خيال صغير على جنب الطريق.. الجاكت الأحمر وسط الضباب. شافها قبل كده، مش لدرجة إنه يعرف اسمها، بس حفظ مشيتها. لا بتشاور لعربية ولا بتلعب، كأن الطريق ده مهمة ولازم تخلصها.
إبراهيم هدى السرعة من غير ما يحس. سلمى ما بصتش وراها لما كشافات العربية نورت الطريق
بعد كيلو، شافها تاني واقفة عند حتة أسفلت مكسورة. كانت ساندة ركبتها على الأرض الساقعة، وصوابعها بتتحرك بسرعة عند جزمتها. إبراهيم فرمل بقوة. الرباط اتقطع خالص. سلمى طلعت حتة دوبارة من جيبها، دخلتها في فتحات الجزمة، وربطتها عقدة متينة، وقامت نفضت إيدها وكملت مشي كأن مفيش حاجة حصلت. إبراهيم فضل يقنع نفسه إنه ملوش دعوة، وإن الغريب خطر حتى لو نيته خير، بس فضل مراقبها بعينه لحد ما وصلت المدرسة.
دخلت سلمى المدرسة من باب جانبي كأنها مش عايزة حد يحس بيها. في الحمام، عملت اللي بتعمله كل يوم نشفت حرف الشراب المبلول بمناديل الورق بالراحة عشان ما يتمزعش، ومسحت الطينة اللي على البنطلون بمنديل مبلول. في المراية، وشها كان أصغر بكتير من اليوم اللي عاشته الصبح. دخلت الفصل أول ما الجرس ضرب، من غير ما تعتذر، ومن غير ما تحكي قصص.
المدرسة نادية لمحت الهدوم المبلولة والجزمة الممسوحة، بس ما بصتش ليها بشفقة، بصت ليها باحترام. إبراهيم فضل