الأيدي الفارغة

لمحة نيوز

بنتكم كانت هتموت.
بابا اتخض، ونورهان نفخت وقالت ببرود يا جدو بلاش دراما.
جدي لف لها بغضب لدرجة إنها رجعت لورا. وقال لأ، كفاية تمثيل إن وجع سارة حمل تقيل عليكم.
طلع جدي ملف جلد قديم ورمى قدامهم صور شيكات، سجلات بنكية، وجوابات.
ماما وشها بقى أبيض زي الورقة.
وقتها بس عرفت إن الخيانة بدأت من قبل التخرج بسنين.
جدي كان بيبعت لأهلي فلوس مصاريف كليتي، نفس المبلغ اللي كان بيبعته لنورهان بالظبط. فلوس نورهان راحت لتعليمها، أما فلوسي أنا ف راحت لتجديد المطبخ، وصندوق للرحلات، وحسب سجل بنكي، دفعة من قاعة خطوبة نورهان.
تعليمي ومستقبلي اتسرق مني من نفس الناس اللي كانوا بيقولوا عليا ناكرة للجميل.
كنت بشتغل ورديتين، وبفوت وجبات عشان أوفر، وواخدة قروض، وماما واقفة في مطبخ متجدد بفلوس كان المفروض تكون لمستقبلي.
بصيت لبابا وقلت له كنت عارف؟
فتح بقه وحاول يتكلم، وبعدين سكت ونزل عينه في الأرض.
وده كان الرد الكافي.
ماما حاولت تشرح الأول.. الناس اللي زيها بيفتكروا إن التبرير هو نفسه الاعتذار.
قالت وهي ماسكة بوكيه الورد لدرجة إن الورق كرمش في إيدها إنتي مش فاهمة كان إحساسي إيه.. جدتك كانت بتكرهني، كانت بتبصلي كأني مش مناسبة للعيلة دي أبداً. وإنتي.. كان ليكي عينيها، نفس نظراتها. كل ما كنتي بتبصيلي كنت بحس إنك بتحاكميني.
بصيت لها وأنا في سريري، ضعيفة ومربوطة
بالأجهزة بس عقلي كان صافي أكتر من أي وقت فات.
قلت لها يعني إنتي كنتي بتعاقبيني عشان شبه واحدة ميتة؟
فتحت بقه وماتكلمتش.
بابا قعد بتعب وقال كان المفروض أوقفها.. قلت لنفسي إن راحة البيت أهم.
قلت له لأ، إنت اشتريت راحتك إنت.. وضحيت براحتي أنا.
نورهان اتريقت وقالت إيه الهبل ده! كلنا بنساعد بعض، سارة طول عمرها بتعيش دور الضحية.
لأول مرة في حياتي، بصيت لأختي وماحسيتش بحاجة. لا غيرة، لا خوف، ولا رغبة إني أرضيها.
قلت لها إنتي عملتلي تاج في صورة في باريس وأنا فاقدة الوعي بعد عملية في المخ.. ده مش ثقة يا نورهان، دي قسوة.
وشها احمر وقالت ماكنتش أعرف إن الموضوع خطير للدرجة دي.
رديت عشان ما سألتيش.
الأوضة سكتت تماماً.
بعد ما مشوا، كنت فاكرة إني هنهار، بس بالعكس.. نمت 13 ساعة متواصلة.
فترة التعافي كانت صعبة جداً. اضطررت أتعلم التوازن من جديد، كنت بنسى الكلام في نص الجملة، والنور العالي كان بيتعبني. ساعات كنت بصحى غضبانه على جسمي اللي خانني، وساعات كنت بفهم إن جسمي كان بيحذرني من شهور، وأنا اللي كنت متعودة أتجاهل الوجع.
جدي فضل جنبي طول الوقت. ومريم كانت بتجبلي أكل، وهدوم نظيفة، وتحكيلي أخبار الدنيا بره. علقت ورقة على حيطة الأوضة مكتوب فيها إنتي مابتتحبيش بصعوبة.. هما اللي ماعرفوش يحبوا.
كنت بقراها كل يوم.
بعد أسبوع من خروجي من المستشفى، جدي
أداني الظرف اللي كان جايبه في التخرج. كان فيه صورة لجدتي وهي شيلاني وأنا لسه بيبي، كانت بتبصلي كأني أغلى حاجة عندها.
وكان فيه جواب.
بدأ ب حبيبتي سارة.. لو بتقري الجواب ده، عايزك تعرفي إنك كنتي غالية ومحبوبة من قبل حتى ما تفتحي عينيكي على الدنيا.
هنا بس انهرت من العياط. مش عشان أهلي، بس عشان في حد حبني من غير ما أحاول أستحق الحب ده.
الجواب ده غير فيا كل حاجة.
بطلت أشحت الحب من حد.
لما بابا كلمني يوم الثلاثاء اللي بعده، رديت بس ماحاولتش أواسيه. عيط واعتذر.. قلت له إن الاعتذار مش نمرة بتتعمل مرة وخلاص، الاعتذار بيبان في الأفعال. لو عايز علاقة بجد، ممكن يكلمني كل ثلاثاء يسأل عليا، من غير ما يجيب سيرة الذنب، ولا نورهان، ولا ماما.
وفعلاً بدأ يعمل كدة.
في الأول المكالمات كانت تقيلة ورسمية، بعدين بقت صريحة، وبعدين بقت دافية شوية. اعترف بحاجات كنت مستنية أسمعها طول عمري.. إنه خذلني، وإنه استخبى ورا جبنه، وإن رؤيتي وأنا بموت خليته يفهم إن السكوت ساعات بيبقى جريمة.
ماما ماتغيرتش بسهولة. كانت بتبعت رسايل طويلة عن الوجع والأمومة والسماح. رديت عليها مرة واحدة التعافي بيخليني أفهم ليه عملتي كدة، بس مابيدكيش الحق إنك تأذيني.
نورهان عملتلي بلوك في كل حتة.
بعد تمن شهور، خطوبتها باظت وتامر سابها بعد ما اكتشف إنها كانت بتستخدم الكريدت كارد بتاعه
عشان تدفع حجوزات فرح هي أصلاً ما تقدرش على تمنها. كلمتني نص الليل وهي بتعيط بحرقة لدرجة إني م عرفتش صوتها.
سارة القديمة كانت هتجري تنقذها.
أما سارة الجديدة ف فضلت ساكتة وبتسمع.
لما سألتني ممكن تصلحي الموضوع؟
قلت لها لأ.. بس أتمنى إنك المرة دي تتعلمي منه.
وقلفت السكة من غير ما أحس بأي ذنب.
بعد سنة، كنت واقفة في فصلي، مدرسة لغة عربية، وبكتب جملة على السبورة كل صوت له قيمة.
طالب هادي اسمه ياسين سألني بعد الحصة يا ميس، هو إنتي عمرك حسيتي إنك مش متشافة؟
بصيت له وافتكرت الكراسي الفاضية في تخرجي، وشيكات المصاريف اللي اتسرقت، وأوضة المستشفى اللي كلها أجهزة، وجواب جدتي اللي شايلاه في درج مكتبي.
قلت له آه.. لوقت طويل جداً.
سألني وعملتي إيه؟
قلت له دورت على الناس اللي بيقدروا يشوفوني بجد.. وبعدين اتعلمت أشوف نفسي.
دي الحقيقة اللي كنت أتمنى حد يقولهالي بدري. ساعات الناس اللي المفروض يحبوك بيكونوا هما نفسهم مكسورين، أو أنانيين، أو أجبن من إنهم يحبوا صح. ده مش معناه إنك ماتتحبش، ده معناه إنك كنت بتطلب الحب من إيد فاضية مابتملكش اللي تديهولك.
أنا نجيت من الورم.. ونجيت من الخيانة.. ونجيت من إني أكون مجرد حمل تقيل في عيلتي.
ودلوقتي، لما بتكلم، مابقتش أسأل نفسي مين بيسمعني.
أنا بقيت أسمع نفسي الأول.
قولولي كنتوا هتعملوا إيه مكاني؟ وشيروا القصة
دي لو شايفين إن كل طفل تم تجاهله يستحق إن صوته يوصل.

تم نسخ الرابط